
بقلم / د.لينا أحمد دبة
حب خلف الزجاج حين تعانق الأرواح ولا تلتقي الأيدي
في زمنٍ اختصرت فيه الشاشات المسافات، وقرّبت البعيد حتى صار أقرب من الظل، نشأ نوع مختلف من الحب؛ حبّ لا تُقاس حرارته باللقاءات، ولا تُختبر صداقته بالعناق، بل يُبنى على الكلمات، وينمو بين سطور الرسائل، ويعيش في المساحات الصامتة بين نبضين لا يلتقيان.
إنه ذلك الحب الذي يولد خلف زجاج شاشة، حيث تلتقي الأرواح قبل الأجساد، وتتعانق المشاعر دون أن تتصافح الأيدي. تُحب فيه صوتاً تحفظ نبراته أكثر مما تحفظ ملامحك في المرآة، وتشتاق لضحكةٍ تحفظ توقيتها كما تحفظ مواعيدك اليومية. يصبح الهاتف وطناً مؤقتاً، والإشعارات نبضاً يطمئنك بأن قلباً ما، في مكانٍ ما، لا يزال يذكرك.
لكن، رغم جماله، يحمل هذا الحب وجعاً صامتاً. وجع أن تكون قريباً جداً من شخصٍ لا تستطيع الوصول إليه. أن تراه بعينيك، لكن لا تستطيع أن تحتضنه. أن تشتاق إليه في كل لحظة، بينما المسافات تفرض قوانينها القاسية. تعيش على أمل لقاءٍ قد يأتي، أو قد يبقى مجرد حلمٍ مؤجل.
ومع ذلك، يظل هذا الحب من أصدق أنواع الحب. لأنه لا يعتمد على حضور الجسد، بل على صدق الشعور. لا يحتاج إلى لمسٍ ليُثبت وجوده، ولا إلى لقاءاتٍ ليُؤكد عمقه. هو حبّ يُختبر بالصبر، ويقوى بالانتظار، ويزدهر بالثقة.
في هذا العالم الرقمي، قد يكون الحب خلف الشاشة قاسياً، لكنه أيضاً نقيّ. خالٍ من الزيف الذي قد تفرضه الظروف الواقعية، ومجردٌ من الأقنعة التي يرتديها البعض في اللقاءات. إنه حبّ يضع الروح في مواجهة الروح، دون وسائط سوى الكلمات.
وربما، في لحظةٍ ما، يتحول هذا الحب من مجرد إشعاراتٍ مضيئة، إلى واقعٍ حيّ، يثبت أن ما بدأ خلف الزجاج، كان أقوى من كل المسافات.





