
بقلم: حسين أبوالمجد حسن — عن شهادة المقاتل السيد عباسي البنا (ك826 مد ذح 109م، الجيش الثاني — الفرقة 16، القطاع الأوسط)
في العاشر من أيام معركة العبور، والصُدْفَة أنها كانت التاسع عشر من رمضان، حمل السيد عباسي البنا ذراعه اليمنى بعد أن فقد اليسرى، وهو يهتف بصوت واحد: «الله أكبر… الله أكبر». تلك الصورة — كما يروي — لم تكن استثناءً، بل كانت ملحمة يومية تتكرر على امتداد الجبهة التي عرفت لاحقًا باسم «ثغرة الدفرسوار».
يصف عباسي الثغرة بوضوح جندي عايش الواقعة: «كانت الثغرة بجانبنا من الجنوب، أرض خالية من القوات المصرية، جنوب الجيش الثاني وشمال الجيش الثالث، شرق بحيرات المرة. كثيرًا ما كنا نقبض على متسللين منها… أول ما خطر ببالي أنها قد تكون فخًا». لكنه يستدرك أن الفخ قد يتحول إلى فرصة إذا أحسنت القيادة استغلاله — ويذكر مثال البطل أبو سعدة في الفردان كمشهد من محاكاة الحرب التي لا تخلو من ثغرات وتحولات.
الضابط النقيب خالد توفيق يوسف كان شاهدًا معه في كتيبته، يقول عباسي، وقد توفّاه الله رحمه، ولكن شهادة النقيب وباقي رفاقه تقرع ناقوس الحقيقة في الرواية التي يريد أن يرويها للأجيال: «أكتب الأحداث كما هي، يومًا بيوم، كما رأيتها وعشتها وقاتلت فيها. هناك أحداث لا أستطيع أن أتحدث عنها — ليست تخصّيصًا لي — لكنها كانت هناك، وكنت فخورًا أن أكون مع هؤلاء الأبطال».
في وصفه لسير المعركة منتصف أكتوبر يتبدّل المشهد من هجوم إلى دفاع بعد ضغط العدو بالدبابات والطيران: «بعد يوم 14 من أكتوبر بدأ العدو يضغط علينا بدباباته من الجنوب وطائراته من أعلى، وتحولنا من الهجوم إلى الدفاع. كان العدو يستخدم كل أنواع الأسلحة: صواريخ تاو، قنابل عنقودية، قنابل بلي… لدي حتى الآن ست شظايا (بليات) داخل جسدي». التفاصيل الطبية هنا ليست مزية بل شاهد مرئي على عنف القتال وواقعه.
ومن تفاصيل الميدان الصغيرة تكمن شجاعة الجنود: «مدافعنا لا تضرب إلا من الثبات لأن رد فعلها قوي — كنا أثناء الضرب كل الطقم يساعد لأن المدفع يشبه الدبابة — وكان معظمنا حافي القدمين». ويصف كيف أن إدارة النيران تحولت من وحدات دعم إلى مقاتلين بالضرورة عندما اقترب العدو وهدّد حياتهم مباشرة.
وتتبدّى التكنولوجيا التقليدية في مذكراته: «كانت الصواريخ السام-7 المحمولة على الكتف — كنا نطلق عليها “الحية” أو “الكوبرا” — ونرى طائرات العدو وهي تقع وتنفجر. أما الطيّار فقد تعلّم تجنّبها بأن يأتي مرتفعًا ويلقي متفجّراته علينا، من بينها القنابل العنقودية». وعلى رغم تفوق العدو في أنواع الأسلحة، يؤكد عباسي أن ما نقصه كان العزيمة والإرادة: «نقصهم العزيمة والإرادة، ولم ينقصنا الإيمان بحقّنا والتشبث بما حققناه».
أثبتت اللحظات الصغيرة دورها في حفظ الأرواح: هناك من كان يوقف نزيف زميل بعد قطع ذراع؛ ربما كان المقاتل نفسه يصرّ على القتال رغم فقدان عضو؛ وهنا تتقاطع الأسطورة مع الحقيقة المؤلمة: «رأيت مقاتلاً يمسك ذراعه المقطوعة بيده الأخرى ويهتف “الله أكبر” ويصرّ أن يبقى… أصرينا أن يعود ليُسعف قبل أن ينزف». المسافة بين مواقعهم والقناة نحو عشرة كيلومترات، وعبارة «وجهنم فاتحة لهم» تعبّر عن مدى القرب من حافة الهلاك.
الثغرة التي باتت تُسمّى «ثغرة الدفرسوار» لم تكن مكانًا عاديًا على الخريطة؛ كانت ساحة اختبارات وإرادات. عباسي لا يطمح إلى البطولة الشخصية، بل إلى تثبيت شهادةٍ عن رفاقٍ «لا يعرفهم أحد ولا يريدون أن يتكلموا»، أناسًا قدّموا عملهم خالصًا لله وارتضوا الصمت تكريمًا لتضحياتهم.
من مقال صحفي: لا نضيف أو ننقص من رواية الشاهد. نعرضها كما قالها الرجل، لأنه طالب «أن يُقال التاريخ بأمانة وصدق كما رأيته وعشته». فرد من فرسان أكتوبر، بريشه ودمه وإيمانه، يذكّرنا بأن أسماء كثيرة باقية في الصمت، وأن ثغرة واحدة في ميدان قد تحمل في طياتها آلاف القصص التي تنتظر راويًا أمينًا.





