
تزهر الأرواح من دماء جراحنا
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
كانت كالغيمة المثقلة بالرحمة، تمشي بين الناس فتمسح بكفيها الرقيقتين عبرات المنكسرين، وتجفف مآقي البؤساء بلمسات حانية، في حين أن عينيها هي، لم تعرف يوماً كيف تحبس فيض دمعها، أو تجد منديلًا يربت على حزنها الذي لا ينضب. كانت تقف في مهب ريح الآخرين، تسكن روع قلوبهم وتواسي خيباتهم بكلماتٍ تنساب كالشهد، بينما يئن قلبها في زوايا صدرها أنيناً خافتاً، صمتاً نبيلاً لا يشكو ولا يتذمر، بل يغرق في لجة الوجع وحده دون شريك.
لقد برعت في رسم ابتسامات الأمل على وجوه الغرباء الذين عبروا حياتها، وزرعت التفاؤل في صحاري أرواحهم، بينما ظل وجهها شاحبًا، لم تطرق الراحة بابه يوماً، ولم يغشَ السكون ملامحها المنهكة. كانت تخلع رداءها لتمنح الدفء لكل من أصابه صقيع الحياة، بينما هي ترتجف في الداخل، لا من برد الشتاء، بل من لسعات خيباتها المتتالية التي جمدت مفاصل روحها.
كم من جبالٍ شاقة تسلقتها من أجلهم؟ وكم من طرقٍ وعرة سلكتها لتؤمن لهم النجاة؟ فعلت كل ذلك وساقاها تنزفان تعبًا، وجسدها ينوء بحملٍ لا تطيقه الجبال، لكنها لم تتوقف. كانت تطعم الجائعين من قوت روحها، وتمنحهم طاقة الاستمرار، في حين نسيت جوعها هي.. ذلك الجوع المزمن والموجع إلى “الاحتواء”، إلى صدرٍ يضمها، وإلى يدٍ تمسك بيدها حين يظلم العالم في عينيها.
لقد تحولت إلى مرفأ للأحزان؛ تحمل أوزار غيرها وهمومهم على كاهلها المثقل، وتخبئ حزنها الخاص بين ضلوعها، كسرٍّ مقدس لا يجب أن يخرج للعلن. مشت بينهم بثباتٍ مذهل، وبخطواتٍ واثقة لا تشبه انكسارها الداخلي أبدًا، وحملت أثقالاً معنوية لا تراها الأعين، لكنها كانت تنحت في روحها أخاديد عميقة. غسلت أرواحهم من أدران اليأس بماء صبرها، بينما تراكم غبار الإهمال على مرآة روحها حتى انطفأ بريقها.
كانت تضحك بملء فيها، لا طرباً ولا فرحاً، بل لتبث الطمأنينة في القلوب المرتجفة من حولها، بينما كان كيانها الداخلي يصرخ مستغيثاً من شدة الإنطفاء والذبول. لم تكن تنتظر ثناءً، ولم يدر بخلدها يوماً أن تطلب مقابلاً، بل كانت جبلًا من العطاء الذي لا ينضب، ونهرًا من التضحية التي لا تجف.
ويا لسخرية القدر! حين كان المارة يرمقونها بنظراتهم، كانوا يهمسون في عجب: “يا لصلابتها! يا لقوة هذه المرأة التي لا تكسرها الريح!”. لم يعلموا قط أنها كانت تنهار في كل ليلة ألف مرة، وتسقط تحت وطأة أوجاعها، ثم تنهض مع الفجر بجهدٍ خرافي لتمارس دور “القوية” من جديد.
وفي نهاية المطاف، حين خلت بنفسها أمام مرآة الحقيقة، لم يوجعها ما ضاع من عمرها في خدمة الآخرين، ولا آلمتها الجراح التي أصابتها وهي تضمد جراحهم. بل كان الوجع الأكبر، والندم المرير، يكمن في ذلك الجفاء الذي مارسته ضد نفسها. اكتشفت أنها كانت “العدو الأجمل” لذاتها؛ إذ بخلت على نفسها بما وهبته للغرباء. بخلت بالوقت الذي يرمم التعب، وبالحب الذي يشفي الندوب، وبالفرصة.. تلك الفرصة البسيطة التي كانت ستمكنها من أن تكون “هي”، لا ما أراده الآخرون لها أن تكون.





