
تأملات فى الحب
د. عزيزة صبحى
ص بجامعة الإسكندرية
للحب صنوف عدة؛ هناك الحب الإلهى، الحب الأمومى، حب الوطن، … وهناك الحب العاطفى، ويظل هذا الصنف الأخير من الحب، الأكثر تأثيراً فينا، ربما لأنه لا يتمتع بتلك المنطقة الآمنة الهادئة المستقرة التى تقطن بها أنماط الحب الأخرى.و ربما لِمَ تشتعل به قلوب المحبين من شوق وشجن وخوف من الفقدان.
ويظل الحب من بين كل التجارب الإنسانية الأكثر تناقضاً بل يُعد التناقض نفسه، فقد يكون الأقوى أثراً، ومتعة و سعادة، وقد يكون الأكثر إيلاماً ووجعاً وخذلاناً، ، بحث فى طبيعته الفلاسفة، كتب عنه المفكرون، ،و تغنى به الأدباء و الشعراء عبر كل العصور، فجعلوا من الحب وطناً وملاذاً، جعلوا منه أمناً وٍسلاماً، جعلوه بحراً وسماءً، ونجوماً وكواكب، وعبروا بكلماتهم ، فى هذا، عن أفق رحب ومبهج ربما لم يصل إليه احساس المحب نفسه.
حدثونا أيضاً عن الفقد والهجران والتخلى والجفاء والوجع الذى يصاحب كل هذا داخل قلب كل محب، ورغم هذا يظل الحب هو الاحساس الأثير لدى البشر، وكذلك كل ما يتعلق به من تجارب وخبرات؛ سعيدة كانت أم بائسة، فمن منا لم يطرب لسماع قصيدة عن الحب؛ وصالاً كانت أم هجراناً، فهل نشعر بذلك لأن هذه الكلمات تصادف بالفعل إحساساً بداخلنا، أم أنها قد تغازل رغبةً فى هذا الاحساس؟ وعندئذٍ نتصور، زيفاً، أننا نحب.
ولكن ما هو الحب؟ و لمّ نحب؟ هل الحب كما تقول الأسطورة اليونانية، هو بحث الإنسان عن اكتماله، ورفضه أن يظل نصفاً دون الآخر؟ هل هو كما يذكر أفلاطون فى أسطورته فى “المأدبة” امتزاج بين الغنى والعوز، بين الحاجة والثراء، ذلك الامتزاج الذى كان نتاجه إيروس(الحب).؟
هل الحب قوة وإرادة أم هزيمة وانكسار؟ يقول أفلاطون على لسان أحد محاوري “المأدبة”: “إن جيشاً من العشاق لقادر على هزيمة جيش لا يهزم”، فى حين يصفه روسو بأنه حيلة الضعفاء، ويقصد بالضعفاء هنا النساء اللائى تؤسسن من خلاله مملكتهن، وتجعلن أنفسهن الجنس المسيطر، وأكتفى هنا بالرد على مزعم روسو هذا بمقولة سارتر: ” إنه يجب التشكيك فى كل ما كتبه الرجال حول النساء، لأنهم خصم وحكم فى الوقت نفسه”.
لمّ أغلب قصص الحب القوية والمؤثرة والباقية فى سجل التاريخ وبقلوبنا وبذاكرتنا، هى قصص موجعة مؤلمة لابد وأن تنتهى بفراق الحبيبين؟ والسؤال الأجدر بالتأمل؛ هل إذا ما تسنى لهذين المحبوبين أن يقتربا ويعيشا معاً، هل سيظل هذا الحب مشتعلاً داخل قلبيهما وداخل عقليهما، أم أنه سيتحول ويتخذ صوراً أخرى مختلفة؛ كالتعود والعشرة والونس والاحتياج – وإن كان هذا أمراً محموداً – والسؤال الأهم؛ لماذا هذا التحول؟ هل للحب تاريخ صلاحية؟
هل ينمحى الحب وينطفئ تحت وطأة الظروف والسنين؟ هل سنكف عن العشق عاجلاً أو آجلاً، وعندما يحدث هذا سنرى أنفسنا على حقيقتنا، ونبحث بدهشة عمن نحب، هل نختبر هذا لأننا وضعنا المحبوب فوق جبال الأوليمب فى معية آلهة اليونان وقدسناه، وعندما هبطنا من علياء المشاعر الميتافيزيقية إلى عالم التجربة الواقعية، انكسر هذا التمثال الجميل الذى صنعناه من أحلامنا وأوهامنا وطموحاتنا و رغبتنا فى الحياة والسعادة معاً؟
هل الحب حالة من الجنون أم من الوعى؟ ما العلاقة بين الحب والوعى بالذات؟ هل إذا وصل الإنسان إلى درجة عالية من وعيه بذاته- لأن هناك من يعيش حياته بأسرها دون أن يعى ذاته بحق – وأدرك جوهر وجوده ، وتنسم ماهيته فى حرية إرادته وقراراته وتقريره لمشروع مستقبله، هل يضحى بشئ من هذا من أجل الآخر، ذلك الآخر الذى هو كيان آخر كما يعطينا من عالمه فإنه يأخذ أيضاً من عالمنا؟ أى هل الحب ، هنا، هو التخلى عن شئ من هذا الوعى، أم أن الشريك يجعل الإنسان – أو ينبغى أن يكون الأمر كذلك – أكثر وعياً واتساقاً مع الذات؟
هل نرى المحبوب بعين الحب، فتتحقق مقولة الإمام الشافعى” وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدى المساويا…”، أم نرى حقيقته بموضوعية ونحبها كما هى، وفى هذا يصدق الشاعر لوكريس تلميذ أبيقور، الذى يقول فى وصف المحب لمحبوبته: ” …إذا كانت سوداء، يصفها بعسلية اللون، وإذا أراد وصف عيونها الباهتة يقول عنها إنها متوهجة كالألماس…”
هل ينتقل الحب بالعدوى؟ أى أن الإنسان قد يصبح عاشقاً لِما يسمعه من قصص العشق والهوى؟ وربما يفسر هذا، ذلك الزمن الجميل و الرومانسى الذى كانت تسوده أغانى الحب ، وقصائد الغرام والعشق، وكان الجميع يبحث فيه عن قصص الحب التى تشبه تلك الحال، ويحاول أن يعيش خبرات مماثلة لها، وذلك على النقيض من العصر الذى نعيشه اليوم والذى تسوده القيم الرأسمالية الاقتصادية ، والذى تحول فيه الحب أيضاً إلى مجرد مشروع اقتصادى.
على أية حال، تظل هذه التساؤلات و غيرها حائرة تتطلع للوقوف على ماهية الحب؟ لكن دون جدوى، فالحب يبقى دائما وأبداً عصياً على الفهم.





