أخبار

بين غفلة العبد ورحمة الخالق

بين غفلة العبد ورحمة الخالق

بين غفلة العبد ورحمة الخالق

بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان

مقالات ذات صلة

(نجاح رضوان)

 

إنّ النفس البشرية، في جبلّتها وطبيعتها، كائنٌ ظامئٌ لا يكفُّ عن البحث عن ملاذٍ آمن، ومرفأٍ ترسو فيه سفن قلقه الوجودي. فنحن، في غمرة هذا الصراع الحياتي المحموم، ننفق أعمارنا في مطاردة سراب “الأمان”؛ تارةً ننشده في قلب إنسانٍ نظنّ أن لديه مفاتيح سعادتنا، فنعلّق آمالنا على مشاعر بشرية متقلبة، وتارةً أخرى نلهث خلف عملٍ يدرُّ علينا مالاً وفيراً، حاسبين أن تكدّس الأرقام في الخزائن هو الدرع الواقي من نوائب الدهر. وفي سبيل ذلك، قد نغضُّ الطرف عن مشقّةٍ تنحلُّ لها الأجساد، أو هوانٍ يكسر الأنفة، ظناً منا أن في نهاية هذا الطريق الوعر تولد السعادة الحقيقية، وهناك فقط، يمكن للقلب المنهك أن ينام في سلامٍ أبدي.

لكننا، وياللفجيعة، نتغافل في زحمة هذا السعي عن الجوهر الحقيقي للطُمأنينة، ونسقط من حساباتنا معنى السعادة الحقّة التي لا تزول بزوال الأسباب المادية. إن السعادة ليست في المآل، بل في الوصال؛ الوصال مع خالق الإنسان والمال، ومبدع هذا الكون الفسيح بجماله وجلاله. إننا نبتعد عن الرب الكريم الغفور، الذي يفتح أبواب رحمته على مصراعيها، ولا يردُّ طارقاً أضناه الندم، بل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. هو الذي يطمئن قلوبنا بعفوه السابغ، ويغمر أرواحنا بسكينةٍ لا يملكها بشر.

ومع كل هذا الكرم الإلهي، نجد ابن آدم يمارس نوعاً من “التسويف الروحي”؛ فنؤجل الطاعة إلى أجلٍ غير مسمى، ونسرف في الانغماس بملذات الدنيا ومتاعها الفاني، وكأننا مخلدون فيها. لا نذكر الله حق ذكره، ولا نطرق بابه بصدق إلا حينما تُوصد في وجوهنا أبواب البشر، وتضيق بنا الأرض بما رحبت. نلوذ بحماه ونطلب الغفران والنجاة حين تشتد الأزمات وتعصف بنا رياح الابتلاء، ولكن واأسفاه على حالنا، فبمجرد أن تنقشع الغمة وتزول المحنة، يعود النسيان ليغلف القلوب، ويطوي الغرور صفحات الانكسار.

هكذا هو الإنسان في كثير من أحواله؛ كثير الغفلة، عظيم النكران، تشغله تفاصيل الحياة التافهة عن عظمة الآخرة ومصيره المحتوم. ينسى أن هذه الدنيا ليست سوى لحظة عابرة، أو ممرٍ ضيق يفضي إلى بقاءٍ سرمدي. يغيب عن ذهنه أن الغضب الإلهي ليس مجرد وعيدٍ آجل، بل هو جحيمٌ نفسي وضنكٌ في العيش يسبق جحيم الآخرة، ولا ينجو من هذا التيه إلا من تداركته رحمة الله، فآب وأناب، ومنّ الله عليه بقلبٍ ثابتٍ راسخ، وإيمانٍ يقظٍ لا تغشاه سِنةُ الغفلة ولا يغلبه النوم.

فاللهم، يا مقلب القلوب، ويا من بيده ملكوت كل شيء، اجعلنا من عبادك الذين عرفوك في الرخاء قبل الشدة، وثبّت قلوبنا على عرفانك وطاعتك، واجعل أنسنا بك، واعتصامنا بحبلك، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أبداً ما

أحييتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى