
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله وفق من شاء لعبادته، أحمده سبحانه وأشكره على تيسير طاعته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعد المؤمنين بلوغ جنّته، وحذّر العصاة أليم عقوبته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، كان إماما في دعوته، وقدوة في منهجه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة دائمة حتى نبلغ دار كرامته، أما بعد فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالي، إن نبي الله صالح عليه السلام قال لقومه بعد أن عقروا الناقة وقتلوها قد حذرتكم إن أصبتموها بأذى، ولكنكم قد اجترحتم الذنب، فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام يأتيكم بعدها العذاب، ويحل عليكم في نهايتها العقاب، ذلك وعد غير مكذوب ومع ذلك كذبوا وعادوا في الضلال واستعجلوا العذاب تحديا، ثم قالوا لصالح ” اطيرنا بك وبمن معك” أي تشاءمنا بك وبمن معك.
واجتمع نفر من قومه وتقاسموا على أن يتسللوا إليه في جُنح الظلام، ويباغتوه وأهله والناس نيام، فيوقعوا به دون أن يراهم أحد، وجعلوا ذلك سرا بينهم، فبيّتوا له الشر، وأضمروا له ولأهله القتل، ظنا منهم أن ذلك يعصمهم من العذاب، ولكن الله عز وجل لم يمهلهم، بل أحبط مكرهم، وردّ إليهم كيدهم، ونجّاه مما أرادوا به، وأنقذه الله والذين آمنوا معه من العذاب، وأنزل بالكافرين عقابه تصديقا لوعده، فيقول تعالي ” فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين” ولم يمنعهم ما شادوا من قصور شامخة، وما جمعوا من أموال وافرة، وغرسوا من جنات واسعة، ونحتوا من بيوت آمنة ورأى صالح عليه السلام ما حلّ بهم إذ أصبحت جثثهم هامدة، وديارهم خاوية، فتولى عنهم والأسى يملأ نفسه، والحسرة تقطع نياط قلبه.
فيقول تعالي كما جاء في سورة الأعراف ” فتولي عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين” ولقد أخذتهم الصيحة التي تحصل منها الزلزلة الشديدة، فأصبحوا ساقطين على وجوههم ميتين هامدين لا يتحركون، وقد مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع للهجرة، فلما نزل بهم الحجر استقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وأخذوا من هذا الماء فعجنوا به عجينهم وطبخوا، فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بما فعل الصحابة أمرهم أن يريقوا القدور، وأن يعطوا العجين الإبل، لأنه لا يجوز أن ينتفع المؤمن من متاع أو طعام أو ماء الأقوام المعذبين، فارتحل بهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بهم البئر التي كانت تشرب منها الناقة.
وقال لهم لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنع عليه الصلاة والسلام أي تلثم، وارتحل من المكان خوفا من العذاب وهذه فتوى من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا يجوز للمسلم أن يزور الأماكن والآثار التي نزل بها العذاب كمدائن صالح أو آثار قوم عاد أو غيرها إلا أن يكون المسلم باكيا متأثرا معتبرا، أما إن زارها ضاحكا متنزها وكأنه في فسحة فإنه يحرم عليه لقوله صلى الله عليه وسلم ” لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ” رواه البخاري ومسلم.





