أخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيفنفنونقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربيمنوعات

انتهت اللعبة

اللي بيموت وهو بيدور على نفسه… عمره ما بيكون كسب حاجة

بقلم/أحمد درويش العربى

كانوا يقولون إن الحياة تمر بمراحل؛ مرحلة تُعلّمك، ومرحلة تُعاقبك، ومرحلة تُقايضك على كل ما تحب.

لكن ثروت بهجت لم يرَ فيها إلا مرحلة واحدة:

المرحلة التي تسلبك كل ما تملك، ثم تضحك عليك وأنت تسقط.

كان ثروت يجلس تلك الليلة على حافة سريره المظلم، يحدّق في زوجته التي تحزم حقيبتها بصمت متوتر.

قال بصوت مرتجف:

“رجاءً… مش لازم تمشي. والله هبطل لعب… بس استني.”

لم ترفع رأسها.

اكتفت بقولها بصوت مكسور، لكنه ثابت:

“أنا مش ماشية علشان اللعب… أنا ماشية علشان أنت بقيت شخص ماعرفوش.”

اقترب منها ليمسك يدها، لكنها سحبتها كأنها تتحاشى نارًا.

ثم تركته وخرجت دون أن تنظر خلفها.

حين أغلقت الباب…

شعر ثروت أن شيئًا انطفأ داخله إلى الأبد.

عاد إلى أصدقائه، أو من كان يظنهم أصدقاءه.

كان الجو ثقيلاً، كدخان متخثّر، والوجوه حول الطاولة تشبه وجوه رجال فقدوا أرواحهم قبل زمن.

قال عزّت وهو يمضغ سيجارته:

“إيه يا ثروت… جاي تلعب ولا جاي تبكي هنا برضه؟”

ردّ ثروت بصوت مُرّ:

“هاتولي دور… يمكن أرجع بحاجة.”

قهقه سالم وقال:

“رجّع الأول اللي عليك يا أبو الرجولة، وبعدين نتكلم.”

مد ثروت يده إلى جيبه، أخرج مجوهرات زوجته، ووضعها على الطاولة.

تجمّدت الوجوه لحظة، قبل أن تنفجر الضحكات.

قال عزّت:

“يا راجل! دي دهب مراتك! خدته منها إزاي؟”

نظر ثروت إلى الطاولة، متجنبًا أعينهم:

“سرقته… وهي نايمة.”

ساد الصمت لوهلة.

ثم عادوا للضحك.

قال سالم بلهجة تجمع بين السخرية والشفقة:

“يا خسارة يا ثروت… حتى آخر حاجة كويسة ضيّعتها.”

مرّت الجولات.

ازدادت خساراته.

وامتلأت الطاولة بكل شيء كان يملكه يومًا.

حتى منزله… حتى شركته… حتى ذكرياته.

ومع كل خسارة، كان يزداد انحناءً.

حتى أصبح ظلًّا لرجل كان يومًا واقفًا.

في إحدى الجولات، وضع رأسه بين يديه وقال لرفاقه بصوت مخنوق:

“سلفوني… بس الدور ده… آخر دور… آخر مرة أطلب فيها.”

قال سالم بلا رحمة:

“إنت بقيت متسوّل يا ثروت. قوم روّح.”

ضحك الجميع…

إلا ثروت.

كان يرى في وجوههم أن الإنسانية ماتت منذ زمن.

مرت أشهر…

حتى جاءت الليلة التي جلس فيها بينهم مختلفًا.

وجهه مرهق، لكنه ثابت.

عيناه تلمعان ببرق غريب، كأن داخله نارًا لا يريد إطفاءها.

قال وهو يسحب كرسيه ببطء:

“النهاردة… مش هقوم من هنا غير وأنا واخد كل اللي ضيّعتوه مني.”

علّق عزّت بابتسامة باردة:

“إحنا مسخّنين الطاولة… اتفضل خُد اللي فاضل من عمرك.”

بدأ اللعب.

وكانت الأوراق تعانده في الماضي، لكنها الليلة…

كانت تلحقه ككلب عاد أخيرًا لصاحبه.

في الجولة الأولى، ربح.

في الثانية، ربح.

وفي الثالثة، ضرب الطاولة بيده وقال:

“إيه؟ اتخضّيتوا؟”

نظر سالم إلى عزّت هامسًا:

“الواد ده مش طبيعي النهارده… في حاجة غلط.”

لكن ثروت سمعه، وردّ:

“الغلط إنكم فاكرين إني لسه نفس الراجل اللي كسرتوه زمان.”

وواصل الفوز…

حتى بدأت وجوههم تفقد لونها.

في منتصف الليل، قال عزّت بعصبية:

“يا ابني إنت كنت علامة مسجّلة للخسارة… إزاي فجأة بقيت بتكسب كده؟”

اقترب منه ثروت، وجهاهما على بُعد إصبعين، وقال بصوت خافت يشبه الهسهسة:

“عشان اللي معهوش حاجة يخسرها وبيجوع أوي… بيبقى أشرس من الأسد.”

قال سالم وهو يضرب الطاولة بعنف:

“كفاية! هنكمل ولا لأ؟”

رفع ثروت رأسه عاليًا، وأجاب بابتسامة سوداء:

“هنكمل… لحد ما أطلعكم من هنا عُراة… زي ما طلعتوني من حياتي من غير حاجة.”

تجمّدت الوجوه.

لم يعد في الغرفة صديق…

ولا عدو…

كانوا جميعًا جثثًا تنتظر من يقتلع آخر لحظة كبرياء منها.

في الجولة الأخيرة…

كانت الورقة التي بيد ثروت تُشعّ كأنها ورقة حياة.

عيناه تلمعان، صدره يرتفع بسرعة.

قال سالم بخوف حقيقي هذه المرة:

“ثروت… انت كويس؟ وشّك أصفر.”

لم يسمعه.

كان يهمس لنفسه:

“رجعت… رجعت كل حاجة… رجعت…”

انتصب واقفًا، رفع الورقة عاليًا، وصاح:

“كسبت!

سمعتم؟

كسبتكم كلكم!

رجعت كل اللي ضاع!”

لكن صوته اختنق فجأة.

وضع يده على صدره، وانحنى ببطء.

سقط على ركبتيه، ثم على الأرض.

ركض عزّت نحوه وهو يصرخ:

“ثروت! قوم! مش وقت هزار!”

لكن ثروت لم يتحرك.

كانت عيناه مفتوحتين…

تنظران إلى الورقة التي بقيت في يده.

ورقة الفوز… ورقة الموت.

جلس الجميع حوله في صمت.

ولا أحد تجرأ أن يلمس المال.

ولا الأوراق.

ولا حتى الكرسي الذي جلس عليه.

قال سالم بصوت مرتعش:

“مات… مات وهو بيكسب.”

رد عزّت:

“لأ… مات وهو فاكر إنه كسب.”

قال سالم:

“أنت شايف إنه خسر؟”

نظر عزّت إلى جسد ثروت الممدد على الأرض، وقال ببطء:

“اللي بيموت وهو بيدور على نفسه… عمره ما بيكون كسب حاجة.”

وهكذا انتهت اللعبة.

مات ثروت في اللحظة التي ظن فيها أنه انتصر.

مات بلا زوجة… بلا وطن… بلا ذات.

لكنه مات مبتسمًا.

كأن قلبه قرر أن يتو

قف أخيرًا… بعدما منحته الحياة ساعة واحدة فقط ليتذوق الحظ…

ليتذوق الحظ الذي بخلت الحياة أن تعطيه الوقت للاستمتاع به.

الرئسية

صفحتنا على الفيس بوك

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى