أدب وشعر

الميزان الذي توزن به الرجال 

الميزان الذي توزن به الرجال 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

مقالات ذات صلة

اليوم : الخميس الموافق 17 أكتوبر 2024

الميزان الذي توزن به الرجال 

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على خاتم النبيين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد لقد أمرنا الله عز وجل في كتابة العزيز بأن نقول الكلمة الطيبة وأن نقول ونتكلم بالقول الحسن فقال تعالي ” وقولوا للناس حسنا ” وإن الكلمات هي الترجمان المعبر عن مستودعات الضمائر، والكاشف عن مكنونات السرائر، فإذا أردت أن تستدل على ما في قلب الإنسان فانظر إلى كلماته وألفاظه، فإنها الدليل على ما يكنه في قلبه من خير أو شر، شاء أم أبى، حيث قال يحيى بن معاذ “القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مصارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه” فاللسان هو الميزان الذي توزن به الرجال، وتعرف به أقدارها، فما صلح منطق رجل إلا ظهر ذلك على سائر عمله.

 

ولا فسد منطق رجل إلا ظهر ذلك على سائر عمله، فاللسان ترجمان القلب وإستقامة القلب مرتبطة باستقامة اللسان، فاللسان وما أدراك ما اللسان هو نعمة من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، صغير جرمه عظيم طاعته وجرمه واسع المجال، هو ترجمان القلوب والأفكار، آلة البيان وطريق الخطاب به يستبان الكفر والإيمان فهو أخطر الأعضاء هو سلاح ذو حدين، إما أن يجني لك خيرا، وإما أن يجني عنك شرا، فله في الخير مجال كبير وله في الشر باع طويل فهو أطيب الأعضاء إن طاب وصلح وأخبثها إن خبث وفسد حيث قال جعفر وكان يقرأ الكتب ” أن لقمان كان عبدا حبشيا نجارا وأن سيده قال له إذبح لي شاة، قال فذبح له شاة فقال ائتني بأطيبها مضغتين، فأتاه باللسان والقلب، قال فقال ما كان فيها شيء أطيب من هذين ؟

 

قال لا، فسكت عنه ما سكت، ثم قال إذبح لي شاة، فذبح له شاة قال ألق أخبثها مضغتين، فألقى اللسان والقلب، فقال له قلت لك ائتني بأطيبها، فأتيتني باللسان والقلب، ثم قلت لك ألق أخبثها مضغتين، فألقيت اللسان والقلب قال ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا ” فمن إستعمله للحكمة والقول النافع وقضاء الحوائج وذكر الله والإصلاح بين الناس، والدعاء، و القول الطيب فقد قيده بلجام الشرع وأقر بالنعمة ووضع الشيء في موضعه وهو بالنجاة جدير، أما من أطلق لسانه وأهمله يخوض فى الأعراض ويقذف المحصنات ويكذب ويشهد الزور، و ينطق بالمحرمات، فلا شك أنه سلك طريق السوء والضلال والعصيان وإستحوذ عليه الشيطان وإتصف بخصال من خصال النفاق، ولما كانت الأعضاء كلها تبعا له، إن نجي بقوله نجت.

 

وإن هلك بقوله هلكت، ناشدته الاستقامة، لذلك كله كان أخوف ما يخاف الرسول صلى الله عليه وسلم ألسنتهم، وقال سليمان بن عبد الملك الصمت منام العقل والنطق يقظته، ولا يتم حال إلا بحال، ويعني أنه لابد من الصمت والكلام، ويحكى أن ملكا أعلن في دولته أن من يقول كلمة طيبة فسيمنحه أربعمائة دينار، وفي يوم كان الملك يسير بحاشيته في المدينة ورأى فلاحا عجوزا في التسعينات من عمره وهو يغرس شجرة زيتون، فقال له الملك لماذا تغرس شجرة الزيتون وهي تحتاج إلى عشرين سنة لتثمر وأنت عجوز في التسعين من عمرك، وقد دنا أجلك، فقال الفلاح العجوز، السابقون زرعوا ونحن حصدنا ونحن نزرع لكي يحصد اللاحقون، فقال الملك أحسنت فهذه كلمة طيبة فأمر أن يعطوه أربعمائة دينار فأخذها الفلاح العجوز وإبتسم، فقال الملك لماذا ابتسمت؟

 

فقال الفلاح شجرة الزيتون تثمر بعد عشرين سنة وشجرتي أثمرت الآن، فقال الملك أحسنت أعطوه أربعمائة دينار أخرى، فأخذها الفلاح وإبتسم، فقال الملك لماذا إبتسمت، فرد الفلاح شجرة الزيتون تثمر مرة في السنة وشجرتي أثمرت مرتين، فقال الملك أحسنت أعطوه أربعمائة دينار أخرى ثم تحرك الملك بسرعة من عند الفلاح، فقال له رئيس الجند لماذا تحركت بسرعة؟ فقال الملك إذا جلست إلى الصباح فإن خزائن الأموال ستنتهي وكلمات الفلاح العجوز لا تنتهي، وكذلك الكلمات الطيبة لا تنتهي ولها أبواب كثيرة، فإغتنموا أوقاتكم، وإحفظوا ألسنتكم وإجعلوا الخير قولكم.

الميزان الذي توزن به الرجال 

الميزان الذي توزن به الرجال 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى