الأسبوع العربيخاطرةمقالاتمنوعات

الشماتة المهذبة

الشماتة المهذبة

كتبت نعمة حسن

مقالات ذات صلة

حين يرتدي الحسد بدلة الحكمة
هناك أمراض لا تُدرّس في كليات الطب.
ولا تُشخّصها الأشعة.
ولا يُعلن عنها الإعلام.
مرضٌ اجتماعي صامت…
ينتقل عبر الجُمل لا الجراثيم،
وعبر النظرات لا اللعاب.
اسمه: الشماتة المهذبة.
لا أحد يعترف به.
ولا أحد يراه عيبًا.
بل يُسوّقونه على أنه “واقعية”…
أو “خبرة بالحياة”…
أو “خوف عليك”.
لكن الحقيقة؟
إنه حسدٌ تعلّم ارتداء بدلة رسمية.
في لحظة نجاح
شاب يعلن افتتاح مشروعه.
فتاة تنشر خبر ترقيتها.
كاتب يوقّع كتابه الأول.
التعليقات تبدأ:
“ربنا يبارك… بس السوق صعب.”
“إن شاء الله تكمل.”
“خلي بالك، الدنيا مش مضمونة.”
“متستعجلش الفرح.”
الكلمات تبدو دعاء.
لكن نبرة الصوت تكشف شيئًا آخر.
لا أحد يقول: “أنا فرحان بصدق.”
بل الجميع يقول: “ننتظر.”
ننتظر ماذا؟
السقوط.
المجتمع الذي يطمئن لفشل الآخرين
أخطر ما في الظاهرة أنها لا تصرخ.
لا تُحرج صاحبها.
لا تجعله يبدو شريرًا.
بل تجعله يبدو… حكيمًا.
الحكيم الذي “شاف كتير”.
الخبير الذي “فاهم الدنيا”.
المُجرّب الذي “بيحذّر”.
لكن لماذا لا يُحذّر إلا وقت الفرح؟
لماذا لا يُذكّر بالمخاطر إلا حين يلمع أحدهم؟
الواقع أن المجتمع الذي يخاف من تفوق أفراده،
هو مجتمع يخاف من مواجهة تقصيره.
نجاح غيرك
مرآة مؤلمة.
التحليل النفسي للشماتة المهذبة
الإنسان بطبيعته يقارن.
لكن حين تتحول المقارنة إلى تهديد،
يبدأ الدفاع.
ليس بالهجوم الصريح…
بل بالتشكيك الناعم.
الشماتة المهذبة هي آلية دفاعية جماعية.
رسالة غير منطوقة تقول:
“لو فشل، سأرتاح.”
“لو سقط، سأشعر أنني طبيعي.”
وهنا يكمن الخطر.
لأنك لا تكتفي بعدم دعم غيرك…
بل تتمنى – في اللاوعي – أن يُخطئ.
التربية الخفية
الطفل الذي يرى والده يسخر من نجاح الجيران،
سيتعلم أن البروز خطر.
الطالبة التي تسمع أمها تقول عن المتفوقة:
“أكيد معاها واسطة”،
ستتعلم أن التفوق مشبوه.
وهكذا،
يتحول الطموح إلى مخاطرة اجتماعية.
والنجاح إلى مشروع عزلة.
الإعلام والسوشيال ميديا… شريك أم ضحية؟
نحن لا نحتفي بالقصص الملهمة بقدر ما نحتفي بالفضائح.
الترند لا يصنعه النجاح…
يصنعه الانهيار.
كم مرة تصدّر شخص لأنه سقط؟
وكم مرة تجاهلنا من صعد؟
حتى في التعليقات الرقمية،
الشماتة ترتدي إيموجي مبتسم.
“كنت عارف.”
“الدنيا دوّارة.”
“الغرور نهايته وحشة.”
هل كل ناجح مغرور؟
أم أننا نحتاج هذه الفرضية لنهدأ؟
العتاب
يا مجتمع…
ليست كل نصيحة خوفًا عليك.
بعض النصائح خوفٌ منك.
ليس كل تحذير حكمة.
بعض التحذير رغبة في إبطاء غيرك.
لو لم تستطع التصفيق،
فلا تقف في طريق الضوء.
النجاح ليس إهانة لأحد.
والتفوق ليس خيانة للجماعة.
الاعتراف الصعب
لنكن صادقين…
كم مرة شعرت بانقباض داخلي حين نجح شخص تعرفه؟
كم مرة قلت:
“هو مش أحسن مني.”
هذه الجملة تحديدًا
هي أصل الداء.
نحن لا نريد أن نُهزم.
لكننا نرتاح حين يتعثر غيرنا.
وهنا يتحول المجتمع من بيئة حاضنة،
إلى ساحة مراقبة.
ماذا نخسر؟
نخسر الشجاعة.
نخسر الثقة.
نخسر المبادرة.
لأن كل شخص يفكر ألف مرة قبل أن يعلن إنجازه.
يعرف أن العيون ليست كلها محبة،
وأن بعض الدعوات ليست صافية.
المجتمع الذي لا يحتمل نجاح أفراده،
لن يحتمل مستقبله.
الرسالة الأخيرة
ليس المطلوب أن نبالغ في التهليل.
ولا أن نصنع بطولات وهمية.
المطلوب فقط:
أن نتوقف عن انتظار سقوط بعضنا.
أن نتعلم الفرح الصافي.
أن نُربي أبناءنا على أن التفوق طبيعي.
أن النجاح ليس تهديدًا… بل إضافة.
لأن أخطر مجتمع
ليس الذي يعاني الفقر،
ولا الذي يواجه أزمات اقتصادية…
أخطر مجتمع
هو الذي يُصفّق سرًا
لسقوط بعضه.
فلنصفي نفوسنا ونملئها خيرا للغير لأن الخير الذي ينال غيرك لن ينقص ابدا من الخير المكتوب لك ..
فلنتمنى الخير للجميع ..
ومن كل قلبي لك عزيزي القاريء اتمنى لك كل الخير والنجاح .
مع تحياتي ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى