أدب وشعر

السرد المقنّع والحقائق العارية

السرد المقنّع والحقائق العارية

كتبت الشاعرة والقاصة والناقدة التونسية

أ. هدى كريد أستاذة اللغة والآداب والحضارة العربية

عن رواية اغتصاب للكاتبة منى عبد اللطيف

في المناص:

جاءت العتبة نكرة محضة في جنائزية تنعى المصائر لتتوحد مع الايقونة البصرية بشكل هلامي لفتاة بلا ملامح، الطّمس فيها يتواءم والتنكير تأسيسا للاطلاق.

مقالات ذات صلة

وتجد المناص صداها في النص الروائي فتتعدّد وقائع الانتهاك لجسد المرأة هنادي وغادة والأجساد الغضة الصغيرة.

غير أنّ الدلالة أوساع تشمل انتهاك الحقوق من طرف العم عاطف أو انتزاع الكرامة والتعدّي على الحرمة الجسديّة عبر تعذيب سادي من طرف والد هنادي لابنته وزوجته.

لقد كان العنوان غواية نصيّة متقنة اتصلت بالأخلاقي والاجتماعي، صورة كبر فيها الوحش الإنساني مهدّدا كل القيم الأصيلة بالإمحاء حتى لا يكاد يبقى منها شيء يذكر. إنّ العتبات كامنة أيضا في عناوين فرعيّة تتصدّر الفصول وتشكّل ضروبا من السّرد المجمل مثل زيارة غير متوقّعة فتحدث إيقاعا متسارعا نحو الاكتشاف كما تنفتح أجناسيّا على المذكّرات.

الرؤى المقنّعة والحبكة المتقنة:

لعلّ ميزة الرواية كامنة في الأصوات السردية يطالعنا أولها كهاتف من هواتف الغيب في مقدمة تمثل جزءا لا يتجزأ من المناص، صوت الكاتبة مراوغًا واعدا متوعدا وهو يتوحدّ بآخر “فأنا كاتب أأبى أن يسير عملي على وتيرة واحدة وأستمتع بتشتيت عقول قرّائي” كائن غامض يحدث خيبة التوقع ويشي بأسرار كتابة تستدعي القارئ إلى النص كي يشارك فيه ويترك قسرا موقع الحياد،
وبغير صيغة التقديم المألوفة نساق إلى بعض الأحداث بواسطة سرد مكرّر يتصّل بتلك المرأة وصغيرها ومن التقديم إلى تصدير اجناسي “من مذكرات هنادي تتلوها كما هو معلوم بضمير المتكلّم في الفصل الأوّل ونجد فيه نفس المشهد هنادي وابنها.

وبين البدء والمنتهى مذكرات سريّة كتبت بمداد النفس والحقيقة دون تمويه.

وما من شكّ أنّ التداخل بين الرّواية والمذكّرات خلط أصواتا سرديّة متصادية ورؤى مختلفة لذات الوقائع.

هنا تظهر الحقائق وتنجلي الأسرار عن إخوة تشعبّت، تباعدت ثم تلاقت كي تسقط غادة الأخت الأكثر شرًا وتنسفر المكائد التي تسقط كثيرًا من الصدف والوقائع التي ظنناها منسوبة إلى محمود زوج هنادي والحال أنها من حاكت الدسائس وتورطت في جرائم جعلت منها ضحية وجلادا في ذات الوقت كموت زوجها وتوريط عمّها في قضيّة الاتّجار بأعضاء الأطفال وإفلاسه “كلّ شيء يحدث لعمّي ولأسرته بعدها كان من صنعي وصنع جمال”.

السرد المقنّع والحقائق العارية

إنّ قوّة النّصّ في ثرائه الاجناسي وفي حبكته التي توازي عوالم واقعة بأخرى محتملة،
وفي تداخل الأزمنة فلا خطيّة في نسق السرد في البداية ارباكا للقارئ الذي يجد في مسارات الرواية بعد ذلك انتظاما يساعده على تمثّل الخيط الرابط بين الوقائع
الى أن يفاجئه الصوت السردي الأخير يصدر عن حفيد هنادي بكينونتين مزدوجتين.

هو الصّوت الجامع الذي يستوعب أصواتا أخرى تذوب فيه ويتحكّم في إيقاع سردها كصوت سهر في مذكّراتها.

ولن ينجلي هذا الغموض إلاّ في نهاية الرّواية بل بعدها استنادا إلى خاتمة أخرى أوجدتها الكاتبة لتعلن عن هذا الرّاوي حفيد هنادي الحاضر الغائب في الأحداث يمارس بعضها باحثا منقّبا عن الحقيقة وهو ينبش في الأدراج السرية للبيوت والحكاية على حدّ السّواء.

وإن غاب هو حاضر بالقوّة من خلال الرؤية الخلفيّة بل إنّه يعابثنا ويقدّم إلينا ما يشاء إلى درجة أنّ الحقيقة الثابتة زيف في كثير من الأحيان.

التّيمات:

لسنا ننفي بعض الأبعاد الوجودية للرواية في التشظي والضياع وصراع الحتميات الخارجية ونحت الكيان ص 146.

“ربّما تكون أقدارنا مكتوبة، وطرقنا رسمت من قبل أن نكون… لكن أفعالنا من اختيارنا، وقد فعلت الكثير وتركت نفسي تتوه في سراب المشاعر الأعمى، فضللت الطريق وسقطت وما زلت أسقط، ولكنّي لا يجب أن أسقط أكثر من ذلك.”

ومع ذلك تبقى منى عبد اللطيف منشدّة الى بيئة مصرية صميمة عبر تلاوين المكان واللهجة المحليّة في الحوار أو في السرد وقد جعلت من القلم لسان حال المجتمع المصري أرض الضياع والمأساة دون تحديد زمني ماعدا إشارة إلى الثورة المصرية.

إنها الأزمات الأخلاقية والهزات الإجتماعية التي تعصف بالثوابت في المجتمع المصري والمجتمعات العربية عامة.

لا تعنيها قضيّة المرأة بدرجة أولى وإنّما هو الإنسان المصري في مكابدته ومشاكله اليوميّة.

نصّ يعبّر عن التزام الكاتبة ووعيها فلا مجال لأدب يتعالى أو ينحصر داخل أبراجه العاجيّة.

هاجس الكاتبة استئناف ضدّ ما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون لذلك طال القصاص أكثر الكائنات ايذاء زوجة العم عاطف تلاقي نفس مصير حماتها وغادة تسقط فريسة شرورها وتشهد نفس مصرع أمها،
وإن أفلت البعض من العقاب فتلك سنّة الحياة في النصّ يفلت جناة قد يكونون أقرب إلى الضحايا.

السرد المقنّع والحقائق العارية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى