
الدكروري يكتب عن وقفات لأهل القلوب الحية والنفوس الزكية
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : السبت الموافق 13 يناير 2024
الحمد لله العلي الأعلى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ووفق العباد للهدى، فمنهم من ضلّ ومنهم من اهتدى، نحمده على نعمه وآلائه، ونشكره على فضله وإحسانه، فالخير منه والشر ليس إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له آمنا به، وعليه توكلنا، وإليه أنبنا وإليه المصير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أوذي فصبر، وظفر فشكر، أقام الحجة، وأوضح المحجة، وأرسى دعائم الملة، فمن تبع سنته رشد، ومن حاد عنها زاغ وهلك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يشنؤهم إلا منافق، أئمة هدى وفضل، ودعاة خير ورشد، ترضى عنهم ربهم سبحانه في قرآن يتلى إلى آخر الزمان، على رغم أنوف أهل البدعة والنفاق، وارض اللهم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.
إن هناك وقفات لأهل القلوب الحية والنفوس الزكية والآذان الصاغية للإحتذاء والاقتداء والإهتداء كما قال الله عز وجل في سورة الممتحنة “لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر” فالوقفة الأولى هي مكانة الطيب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد فطر الله تعالي الناس على حب الطيب وجمع أطيب الأشياء لنبيه صلى الله عليه وسلم، فله من الأخلاق والأعمال أطيبها وأزكاها ومن المطاعم أطيبها وأزكاها ومن الروائح أطيبها وأزكاها، لذا كان من أخلاقه التطيب يحبه ويكثر منه، بل هو إحدى محبوباته الدنيوية ففي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إنما حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة” وعن محمد بن علي قال سألت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها.
أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطيب؟ قالت نعم، بذكارة الطيب المسك والعنبر” وكان يتطيب قبل أن يحر، ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم طيب الرائحة، فجسمه يفوح طيبا كما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال “ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح الرسول صلى الله عليه وسلم” بل إذا وضع يده صلى الله عليه وسلم على رأس الصبي عرف أهله أنه صلى الله عليه وسلم قد مس ابنهم لطيب رائحة الصبي ومع هذه الرائحة العطرة فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر ويبالغ في استعمال الطيب حتى إنك لتجد لمعان المسك في مفرق رأسه ولربما استمر الطيب في رأسه أياما لكثرته، وكان يُعرف بطيب رائحته إذا أقبل أو أدبر، فمن كانت هذه صفته فهو أبعد الناس عن الرائحة الكريهة.
بل إنه ترك كثيرا من المباحات كالثوم والبصل والكراث ونحوها لرائحتها الكريهة، فهو طيب لا يقبل إلا الطيب، فهذه صورة مشرقة وأدب رفيع وحقيقة ثابتة نسوقها إلى كل مسلم ليرتفع في سلوكه وأدبه إلى مصاف النفوس السليمة مجانبا كل خلق قد يؤدي إلى أذية المسلمين عامة، والمصلين خاصة، وأما عن الوقفة الثانية وهي طيب المساجد، فاعلم أنه كلما شرف المكان وطاب كلما كان أولى أن يُشرف ويحترم، ولما كان الطيب والبخور من علامات الإكرام والتشريف كان حريّا أن نجدها في أماكن العبادة، فهي أولى بالشذا وأحرى بالندى وكيف لا والمسلم مأمور بأن يأخذ زينته عند كل مسجد “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد” فالمساجد أماكن عامة تؤدى فيها أعظم عبادة وهي بحاجة إلى كل عناية ورعاية لتؤدي النفس عبادتها وهي مقبلة بخشوع وطمأنينة.





