التربية هى عملية بناء شخصية الفرد بناء شامل لكى يستطيع التعامل مع كل ما يحيط به، وهى تعتبر أيضا تنمية وتطوير قدرات ومهارات الفرد من أجل مواجهة متطلبات الحياة بأوجهها المختلفة, والتكيف مع البيئة التي يعيش فيها. وتعتبر التربية من أهم العوامل التي تزيد من تماسك وتقوية أي مؤسسة أو كيان سواء كان هذا الكيان كبير أم صغر.
فإذا عدنا إلي الجزيرة العربية – وبالتحديد مكة – يوم أن اتصلت السماء بالأرض عن طريق جبريل الأمين الذي نزل بالوحي المبين على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , نجد أن هذا الدين الجديد بدأ بمنهج عظيم, فكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجيد فن التربية, كما كان يُتقن فن بناء الإنسان وتطويره وتنمية قدراته, واستغلال طاقاته, فظل- صلى الله عليه وسلم – يهتم بهؤلاء الرجال بالتربية, والتعليم, والتدريب, وتطوير الذات، ظل يربيهم, وينميهم, يرعى قدراتهم, ويطور مهارتهم دون الفصل بين العلم والعمل، أو تفريقٍ بين الفكر والممارسة.
فظل الإنسان يتنقل من نجاح إلى نجاح, ومن نصر إلى نصر عملياً دون التفكير نظريا فى مبدأ التربية فنتج عن ذلك أنعدام شخصيتنا وهويتنا, وأصبحنا نتخبط في مشاكل لا حصر لها. والحقيقة التي يجب إبرازها في هذا الصدد هي أن كثيراً من مشاكل أمتنا الإسلامية لم تتنامى, ولم تتشعب, ولم تستعص على الضماد إلا يوم أن فرطنا وتخلينا عن أحصن حصنٍ يمكن للأمة أن تحتمي به وفيه, ألا وهو حصن التربية؛ ويوم أن وأدنا مبدأ التربية في مدارسنا, ومعاهدنا, وجامعاتنا, ومساجدنا, وبيوتنا, ووسائل إعلامنا؛ واليوم أصبحت التربية شعاراً فقط فى بعض الأحيان دون تطبيق عملى فى بعض البلدان الإسلامية حيث لا يتم تحقيق الفعل العملى لمبادىء التربية.
نلاحظ أن هناك بعض البلاد وصلت إلى المستوى الرفيع من التقدم والرقي والازدهار بسبب اهتمام قادتها بتدريس مادة تسمى التربية الأخلاقية، والتربية الأخلاقية مادة تدرس في جميع مراحل التعليم بدءا من المرحلة الابتدائية إلى مرحلة الجامعة نظرياً وعملياً. وهي تهدف إلى تربية الإنسان ذاتيا على عدة مفاهيم أهمها: الإخلاص والانضباط والدقة والتفاني عند قيامه بأي عمل من الأعمال، والاعتدال في كل أمر من أمور الحياة، و الحرص, والتعاون, والشجاعة في مواجهة الحياة، والفهم العميق لمفهوم الحرية، وتطوير الذات بصفة دائمة ومستمرة، حب البحث والاطلاع والقراءة من أجل السعي إلى الوصول إلى الحقيقة، احترام قيم العمل, وحبه, وتقديره, والتفاني فيه، الشعور العميق بالمسئولية الجماعية, وان كل فرد في المجتمع – وكما له حقوق – فإن عليه واجبات تجاه مجتمعه لابد أن يقدمها حتى قبل حقوقه وواجباته تجاه نفسه والإسهام بكل قوة في بناء وتطوير المجتمع الذي يتواجد فيه الفرد بدءاً من الفصل مروراً بالشارع إلى الحي وصولاً إلى الأمة ، واحترام الوطن عاداته وتقاليده والتفاني في خدمته والمحافظة على أملاكه العامة والخاصة، احترام ثقافة الآخر والتفاني في خدمته، السعي لتعزيز مفهوم الصداقة بين شعوب العالم .
فمشروع التربية الأخلاقية في البلاد المتقدمة منظومة متكاملة تشارك فيها كل مؤسسات المجتمع المعنية بجدية وحزم , وهو يكاد يشبه المشروع القومي للدولة , فهي تتبنى المشروع بكل قوة, وتوفر له كل الإمكانات المادية والعينية. لذلك قد لانجد غرابة فيما يقول الأفراد فى ذات يوم عن سر التقدم والتفوق الذي أحرزته البلاد المتقدمة في شتى مناحي الحياة, فهذا بيرجع إلى التربية الأخلاقية. لذا علينا الاهتمام بالتربية الأخلاقية وببناء شخصية الإنسان.
لإن التقصير في مبدأ التربية يعني التقصير في تحقيق الأهداف, ومن عاش بلا هدف فأولى له أن يرعى مع الهمل (الضعفاء والفاشلين). وهذا ما يتنافى مع الأشخاص الذين يسعون لتحقيق أهداف كبيرة.