
التحرش جريمة تُمارس في العلن
بقلم: إيمان المهدى
لم يعد التحرش حادثة فردية أو تصرفًا شاذًا، بل تحول إلى ظاهرة يومية تتكرر أمام أعين الجميع. في الشارع، ووسائل المواصلات، وأماكن العمل، وحتى في الفضاء الإلكتروني، تتكرر الانتهاكات نفسها، بينما يتغير الضحايا ويبقى الصمت هو الثابت الوحيد.
خلال الفترات الماضية، تداول الرأي العام عشرات الشهادات لفتيات وسيدات تحدثن عن تعرضهن لتحرش لفظي وجسدي في أماكن يفترض أنها آمنة. مقاطع مصورة من داخل المواصلات العامة، قصص عن مضايقات في أماكن العمل، ورسائل إلكترونية تحمل إهانات وابتزازًا، كلها وقائع لم تعد خفية، بل أصبحت موثقة ومتداولة، ومع ذلك لا تزال المواجهة ضعيفة.
الأخطر من الفعل نفسه هو رد الفعل المجتمعي. نظرات لوم تُوجَّه للضحية، تبريرات جاهزة للمتحرش، وصمت جماعي يفتح الباب لتكرار الجريمة. كثير من الحالات تمر دون بلاغ، لا لأن الجريمة بسيطة، بل لأن الضحية تعرف مسبقًا أن المواجهة ستكون أقسى من الفعل ذاته.
التحرش ليس “سوء فهم”، وليس “هزارًا تقيلًا”، وليس نتيجة ملابس أو تصرفات. هو اعتداء صريح، وجريمة يعاقب عليها القانون، وانتهاك للكرامة الإنسانية. التغاضي عنه، أو التقليل من شأنه، هو مشاركة غير مباشرة في استمراره.
المسؤولية هنا مشتركة: قانون يُفَعَّل بجدية، مؤسسات تتحرك لا تكتفي بالبيانات، وإعلام يتناول القضية بوعي لا بإثارة، ومجتمع يتوقف عن تبرير القرف باسم العادات أو الخوف من الفضيحة.
الصمت لم يعد خيارًا، والسكوت لم يعد حيادًا. إما مواجهة حقيقية تحمي الضحايا وتردع الجناة، أو قبول ضمني باستمرار الجريمة، يومًا بعد يوم، وبوجه أكثر جرأة.





