الأسبوع العربيالعالم المصريتحقيقاتمقالات

إنه عصر البلادة.. لا عصر الصورة

إنه عصر البلادة.. لا عصر الصورة

نعمة حسن / كتبت

مقالات ذات صلة

حدث ذلك
من القلب، وصارت اللحظة لا تُقاس بما تُنقذ، بل بما تُظهِر. نقف أمام الحوادث كما يقف المصوّر أمام مشهد جميل؛ نبحث عن الزاوية، عن الإضاءة، عن اللقطة التي “تشد”، بينما الدم لم يجف بعد، والصدمة لم تكتمل، والروح التي كان يمكن إنقاذها تبتعد خطوة أخرى لأننا اخترنا التسجيل بدل الاندفاع لانقاذ روح تذهب ونحن نلطقت اللحظة لنتميز وننفرد بالترند . الغريب أننا نقول لأنفسنا إننا نوثّق، بينما الحقيقة أننا نتفرّج، وأن التفرّج حين يتكرر يتحول إلى برود، والبرود حين يستقر يصير طبيعة.
صرنا نرفع الهاتف قبل أن نرفع إنسانًا، ونضغط زر التصوير قبل أن نضغط على النزيف، ونطمئن أنفسنا بأن “النشر” قد يفعل شيئًا، مع أن الشيء الوحيد الذي يفعله أحيانًا هو أن يُطيل عمر المشهد ويقصّر عمر الرحمة. الكاميرا لا تُنقذ وحدها، لكنها كثيرًا ما تُعطّل اليد التي كان يمكنها أن تنقذ. وفي هذا التعطيل الصامت، تُمحى الفواصل الدقيقة بين الإنسانية والعادة، بين الصدمة والفرجة، بين القلب والعدسة.
ثم انتقل الأداء من الشارع إلى المائدة. نصوّر الطعام كما لو كان انتصارًا، نُقرّبه من العدسة حتى يكاد يخرج من الشاشة، نلتهمه بصريًا قبل أن نلتهمه فعليًا، غير واعين بأن هناك من يبتلع ريقه لا شهوة بل حرمانًا، لا إعجابًا بل وجعًا. لا نفكر أن الصورة قد تكون خنجرًا باردًا في قلب من لا يملك ثمن الوجبة، ولا نسأل أنفسنا لماذا صار الاستعراض أهم من الامتنان، ولماذا تحوّل الأكل من نعمة إلى إعلان، ومن مشاركة إلى مفاخرة، ومن حياة إلى محتوى.
نصوّر الملابس وكأن الدفء حق حصري، نلتقط الأقمشة والألوان والماركات دون أن نسمع صرير البرد في أطراف من لا يملك ما يستر جسده، نعرض الرفاهية بلا سياق، وننسى أن الصورة حين تنفصل عن الإحساس تصبح إهانة غير مقصودة، لكنها إهانة على أي حال. نجلس في مقاهٍ فاخرة، نصوّر الطاولات والضحكات والأغاني، نُجمّل المشهد وننسى أن هناك من لا يملك ثمن الخروج أصلًا، من يحسب الطريق ذهابًا بلا عودة لأن العودة تحتاج نقودًا. نركب السيارات الفارهة ونرفع الصوت ونرفع الكاميرا، غير مدركين أن الأغنية نفسها قد تمر على أذن شخص يتمنى وسيلة مواصلات تحفظ كرامته لا أكثر.
الأداء تمدّد، حتى صار أسلوب حياة. صرنا نقيس قيمتنا بما نُظهره لا بما نُحدثه، بما نعرضه لا بما نُصلحه، بما نملكه لا بما نشعر به. ومع كل صورة تُلتقط بلا وعي، تتجمّد مشاعر إضافية، كما يتجمّد الماء حين يتعوّد البرد. لا نُدرك التجمّد لأنه تدريجي، ولأن الضجيج يغطي صوت التشققات الداخلية. نضحك، نشارك، نعلّق، ثم نعود إلى بيوتنا بقلوب أخفّ وزنًا لكنها أقل نبضًا.
الأخطر أننا لم نفقد الرحمة دفعة واحدة، بل فقدنا حساسيتها. صرنا نرى كثيرًا فلا نتأثر، نسمع كثيرًا فلا نتحرك، نمرّ على الألم مرور العابر، لأن التكرار بلا فعل يُميت الدهشة، ومع موت الدهشة تموت الإنسانية الناشطة وتبقى إنسانية شكلية، مهذبة، مصقولة، لكنها عاجزة. هنا لا يصبح السؤال لماذا نصوّر، بل لماذا لا نشعر؟ ولماذا لم نعد نرتبك أمام الألم؟ ولماذا لم يعد الصمت ثقيلاً عندما ينبغي أن يكون؟
لسنا ضد الصورة، ولا ضد التوثيق، ولا ضد الفرح، لكننا ضد أن يُصبح العالم مسرحًا دائمًا، وضد أن تُختصر الحياة في لقطات، وضد أن يُستبدل الفعل بالإعجاب، والإنقاذ بالمشاركة، والرحمة بالتفاعل. ضد أن نُقنع أنفسنا أن كل ما يُرى حق، وأن كل ما يُنشر مباح، وأن كل ما يُعجب به الجمهور صالح أخلاقيًا. لأن الحقيقة أقسى من ذلك: بعض الصور تُجرِح، وبعض اللقطات تُقصي، وبعض المشاركات تُثقل كاهل من لا يملك حتى رفاهية الغضب.
ربما آن الأوان أن نُعيد ترتيب الأولويات داخلنا قبل أن نُعيد ترتيب الإطار. أن نسأل أنفسنا قبل الضغط على زر التسجيل: هل هذه اللحظة تحتاج عينًا أم يدًا؟ هل تحتاج شاهدًا أم مُسعفًا؟ هل تُضيف وعيًا أم تُراكم برودًا؟ هل تُنقذ روحًا أم تُضيف رقماً؟ لأن الفارق بين الإنسان والمشاهد ليس في القدرة على الرؤية، بل في الاستجابة لما يُرى.
وإذا كان هذا العصر قد علّمنا كيف نُظهر، فعلينا أن نتعلّم من جديد كيف نشعر. أن نترك الهاتف أحيانًا، لا كزهدٍ مصطنع، بل كضرورة أخلاقية. أن نفهم أن بعض اللحظات لا تُلتقط لأنها مقدسة، وبعض الآلام لا تُنشر لأنها ليست ملكنا، وبعض النعم لا تُستعرض لأنها ليست كاملة إلا إذا راعت غير القادر. العودة إلى الرحمة ليست عودة إلى الوراء، بل قفزة إلى الأمام، لأن العالم الذي يُتقن التصوير ويعجز عن الإنقاذ، عالم جميل شكلاً، لكنه مكسور جوهرًا.
قاريئ العزيز :
إ
ن كل تشبيه هنا ليس مبالغة، وكل حرف ليس ترفًا لغويًا، بل مرآة. مرآة تُوجِع لأنها صادقة. وإذا اهتزّ الوجدان، وانزعج العقل، وتباطأت اليد قبل التصوير مرة واحدة فقط، فربما يكون هذا النص قد فعل ما عجزت عنه آلاف اللقطات: أعاد للإنسان إنسانيته، ولو للحظة
مع خالص تحياتي ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى