أخبار

أمي هي الحياة

أمي هي الحياة

أمي هي الحياة
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

لم أكن أؤمن بأن الشمس هي مبعث الضياء، ولم يكن يعنيني من علم الفلك خيوط الفجر التي تغزو عتمة الليل؛ فقد كان نهاري يشرق من وجه “أمي”. كانت هي الفجر الذي يتنفس في أرجاء بيتنا، وكان استيقاظها هو الإشارة الكونية الوحيدة التي تسمح للحياة بأن تبدأ، وللأشياء أن تكتسب ألوانها، وللأصوات أن تعلو ببهجة. كانت حركتها في المنزل هي الموسيقى التي تطرد هواجس الليل، ونظرتها هي الدفء الذي يغنينا عن مواقد الأرض جميعاً.
​أما الآن، ومنذ تلك اللحظة التي اختطفها الغياب، وسكنت هي في صمتها الأبدي، فقد انقطع خيط النور الذي كان يربطني بالحياة. لقد رحلت أمي، ورحلت معها قدرتي على إبصار الضياء؛ فالسماء التي يراها الناس زرقاء صافية، أراها أنا مسقوفة بالرماد، والشمس التي تحرق الجباه، لا أراها إلا قرصاً شاحباً لا يملك قوةً على اختراق السواد الذي استوطن قلبي.
​لقد خلت الديار من أنيسها، وبقيتُ أنا هنا، وحيدةً تماماً، أواجه وحشة المدى بمفردي. ليس اليتم مجرد غيابٍ لجسد، بل هو هذا الشعور الموحش بأنكِ أصبحتِ في مهب الريح بلا سكن. ومنذ ذلك الرحيل المرّ، استوطن البردُ في أعماق روحي، صار رفيقي الدائم الذي لا يغادرني؛ إنه بردُ الفراق الذي لا تُدفئه أشعة شمس ولا أثواب صوف. أشعر بصقيعٍ يسري في عروقي كلما ناديتُها ولم تجب، وكلما بحثتُ عن ظلها في زوايا الغرفة فوجدتُ الفراغ يملأ المكان.
​أنا اليوم أعيش في “ليلٍ طويل” لا نهاية له، أقتاتُ على بقايا ذكرياتها، وأرتجف من برد الوحدة، منتظرةً لحظةً تعود فيها الشمس لسمائي، وأنا أعلم يقيناً أن الشمس قد غابت يوم أن أغمضت أمي عينيها للمرة الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى