الأسبوع العربيقرأت لكقراءة نقديةقصة قصيرةقصص وروايات

خلف سواد العين تشرق شمس الروح

خلف سواد العين تشرق شمس الروح

قلم/وائل عبد السيد 

المشهد الثاني: سجن العتمة.. وميلاد الحواس

المكان: شقة “زيد” – الصالة الواسعة التي أصبحت الآن متاهة من الظلال.الحالة: صمت مطبق، يتخلله صوت أنفاس مضطربة.

مرّت أسابيع على ذلك الغروب المشؤوم. كان “زيد” يجلس في زاوية أريكته، لا يتحرك، كأنه قطعة من الأثاث المهمل. في البداية، كان يظن أن العمى هو “جدار” أسود، لكنه اكتشف أنه “بحر” لا يهدأ.

في هذا المشهد، يتوقف “زيد” عن محاولة فتح عينيه. يقرر، ولأول مرة، أن “يسمع” غرفته.

أدرك أن للصمت طبقات؛ فهناك صمت الثلاجة الرتيب، وصمت الهواء الذي يمر من تحت الباب، وصمت جدرانه التي بدأت “تتحدث” بصدى خفي.

مدّ يده ببطء نحو الطاولة الجانبية. لم يكن يبحث عن كوب الماء بعينه، بل بـ “ذاكرة جسده”. لمست أصابعه سطح الخشب؛ لأول مرة منذ سنوات، لم يهتم بلون الخشب أو لمعانه، بل شعر بـ حرارته، بخشونة العروق الطبيعية فيه، ببرودة سطح الكوب الزجاجي.

“لماذا لم أشعر بهذا من قبل؟” همس لنفسه.

بدأت حاسة الشم لديه تستيقظ بشكل مرعب. صار يعرف أن جارته بدأت تطهو الغداء قبل أن يشم الجيران الآخرون الرائحة. صار يشم “رائحة المطر” قبل أن تسقط أول قطرة على نافذته.

في لحظة تجلٍّ، نهض من مكانه وبدأ يمشي في الردهة دون عصا. كان يرتطم بالأشياء في البداية، لكن مع كل اصطدام، كانت تتشكل في عقله “خريطة” لا تعتمد على الضوء، بل على الارتداد. بدأ يشعر بوجود الأشياء قبل أن يلمسها، كأن لكل جسم هالة تسبقه.

وهنا، عادت تلك “الترتيلة” مرة أخرى. لم تكن مجرد نغم، بل أصبحت كلمات بدأت تتردد في وعيه:“يا من حُجبت عنه الصور.. الآن حان وقت العبور إلى الجوهر.”

بدأ “زيد” يدرك أن جسده ليس مجرد وعاء، بل هو جهاز استقبال دقيق، وأن بصره القديم كان “يغشّه” بتفاصيل تافهة، بينما حقيقته كانت محجوبة خلف تلك الألوان.

خلف سواد العين تشرق شمس الروح
تشرق شمس الروح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى