الأسبوع العربيحوار

انا والفراغ ..

انا والفراغ ..
🖋/عماد سمير
حوار مع المساحه التى لا يراها احد.
في كل مرة أجلس فيها وحدي، لا يأتيني الصمت أولًا… بل يأتي الفراغ.
هذا الشيء الغامض الذي لا يُمسك باليد ولا يُرى بالعين، لكنه قادر على أن يملأ الرأس بضجيج يفوق ضجيج المدن. الفراغ ليس غيابًا كما نظن، بل حضور طاغٍ لأسئلة مؤجلة، وذكريات غير مكتملة، وقرارات كنا نظن أننا هربنا منها.
انا والفراغ … قصة لا تبدأ في لحظة واحدة، بل تتكرر في كل مساء، حين تنطفئ الأصوات من حولي ويبقى داخلي فقط هو من يتكلم. أحيانًا يفتح لي الفراغ بابًا لأتنفس، وأحيانًا يفتح بابًا آخر يضغط على صدري بأسئلته. هو مساحة بين ما أريده وما أهرب منه، بين ما تحقق وما لم يكتمل.
أنا لا أُعادي الفراغ.
على العكس… أحيانًا أشعر أنه المساحة الوحيدة التي أكون فيها صادقًا تمامًا. لا واجهات، لا مجاملات، لا محاولات لشرح نفسي. هو اللحظة التي أضع فيها نفسي أمامي كما هي: مرهقة، قوية، ضعيفة، مطمئنة، خائفة… كلّها دفعة واحدة.
الفراغ هو المعلم الذي يأتي بلا موعد، ويُجلسنا أمام لوح الحياة يقول لنا:
ماذا تريد حقًا؟ وما الذي تخشاه؟ ولماذا أنت هنا؟
أسئلة ثقيلة لا يطرحها علينا أحد، لذلك يبعثها الفراغ حين نختلي بأنفسنا.
في الفراغ نكتشف أننا لم نكن مشغولين دائمًا… نحن فقط كنا نهرب.
نهرب من مواجهة أنفسنا، من مواجهة أهداف لم نبدأها، ومن أحلام أجلناها حتى صدّقنا أننا لم نعد نستحقها. لذلك، عندما يتوقف كل شيء حولنا، ونجد أنفسنا وحدنا أمام المساحة البيضاء، نرتبك… لأن الحقيقة عارية أمامنا.
لكن الجميل أن الفراغ ليس عدوًا.
هو فرصة.
مساحة يمكن أن نكتب عليها ما تبقّى من العمر.
هو الورقة البيضاء التي تسبق سطر البداية الجديد.
هو الصمت الذي يسبق القرار.
هو الاستراحة التي تمنحنا القوة لنكمل الطريق.
أنا والفراغ… لسنا خصمين.
نحن شريكان في فهمي لنفسي.
كلما جلست معه، عدت لنفسي أكثر.
وكلما اقتربت منه، اكتشفت الطريق الذي كنت أخشاه.
فالفراغ، مهما بدا مخيفًا… ليس نهاية.
إنه بداية تُمنَح لمن يجرؤ أن ينظر داخل نفسه دون أن يهرب.
وفي نهاية الحوار بيني وبينه…
أدركت شيئًا بسيطًا وعميقًا:
الفراغ ليس فراغابل أنا حين أعود إلى نفسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى