اخصائي نفسيالأسبوع العربيمرأة ومنوعاتمقالاتمنوعات

أحبت… فدُفنت حيّة

أحبت… فدُفنت حيّة
بقلم / سهير محمود عيد
لم تمت… لكنها توقفت عن الحياة من الداخل.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا من الخارج؛ تبتسم، تتحدث، تؤدي واجباتها اليومية، لكن داخلها كان هناك شيء ينهار ببطء. شيء يتآكل دون صوت، دون ضجيج، دون أن ينتبه أحد.
كانت تحبه كما لا تحب امرأة إلا مرة واحدة في عمرها. لم يكن حبًا عابرًا أو إعجابًا مؤقتًا، بل كان تعلقًا عميقًا، صادقًا، يملأ قلبها بالكامل. كانت ترى فيه الأمان الذي طالما بحثت عنه، والسند الذي تمنّت أن تتكئ عليه حين تتعب. منحته كل ما تملك؛ وقتها، اهتمامها، خوفها عليه، حتى دعواتها كانت تبدأ باسمه.
كانت تسأل عنه دائمًا…
“هل أكلت؟”
“هل أنت بخير؟”
“هل تحتاج شيئًا؟”
كانت تنتظر رده وكأنها تنتظر الحياة نفسها.
لكن الرد كان يأتي باردًا، مقتضبًا، وكأن كلماتها لا تعني شيئًا.
في البداية، لم تشعر بالألم. كانت تبرر له كل شيء. تقول لنفسها إنه مشغول، أو متعب، أو لا يعرف كيف يعبّر عن مشاعره. كانت تمنحه الأعذار كما تمنحه الحب، دون أن تطلب شيئًا في المقابل.
لكن مع الوقت… بدأت تشعر أن حبها يسير في طريقٍ واحد.
هي تقترب… وهو يبتعد.
هي تعطي… وهو يأخذ.
هي تهتم… وهو يغيب.
كانت تنتظر رسائله بالساعات، تراقب هاتفها وكأن قلبها معلق بشاشة صغيرة. وحين يصل الرد، يكون قصيرًا، خاليًا من الاهتمام، وكأنها مجرد شخص عابر في يومه. كانت تبتسم رغم الألم، تقنع نفسها أن الأمر بسيط، وأن الحب يحتاج صبرًا.
لكن الحب لا يجب أن يكون وجعًا دائمًا.
ولا يجب أن يكون العطاء فيه من طرفٍ واحد.
كانت تشتاق إليه كثيرًا… لكنها بدأت تخجل من الاعتراف بذلك.
كانت تحتاجه… لكنها شعرت أنها وحدها من تحتاج.
كانت تتألم… لكنها صمتت حتى لا تبدو ضعيفة.
المرأة لا تطلب المستحيل.
هي فقط تريد أن تشعر أنها مهمة…
أن هناك من يخاف عليها…
أن حبها ليس عبئًا.
لكنها كانت تشعر أنها تفرض نفسها، وأن اهتمامها أصبح ثقيلًا عليه. بدأت تقلل حديثها، تخفف اهتمامها، تحاول أن تنسحب قليلًا… لعلّه يشعر بغيابها. لكنه لم يشعر.
وهنا بدأت الحقيقة المؤلمة تظهر بوضوح.
هي لم تكن أولوية في حياته.
كانت مجرد خيار… عندما يسمح وقته.
في تلك اللحظة، شعرت بشيء ينكسر داخلها.
لم يكن انكسارًا مفاجئًا… بل كان انهيارًا بطيئًا، كجدار تتسع شقوقه يومًا بعد يوم.
كانت تبكي ليلًا دون صوت.
تخفي دموعها عن الجميع، وتضع ابتسامة هادئة في الصباح.
لم تكن تريد أن يراها أحد ضعيفة، لكنها كانت تتلاشى من الداخل.
ومع كل مرة تُهمل فيها، كان شيء بداخلها يُدفن.
فرحة صغيرة… حلم بسيط… كلمة كانت تنتظرها.
حتى جاء اليوم الذي لم تسأله فيه عن يومه.
لم تنتظر رسالته.
لم تقل “اشتقت لك”.
صمتت.
استغرب هو…
تساءل: لماذا تغيرت؟
لماذا أصبحت باردة؟
لماذا لم تعد كما كانت؟
لم يفهم أنها لم تتغير… بل تعبت.
تعبت من أن تحب وحدها…
من أن تهتم وحدها…
من أن تنتظر وحدها.
المرأة لا تتوقف عن الحب فجأة…
بل تحب حتى تنطفئ.
حتى يصبح قلبها مرهقًا، وروحها متعبة، ومشاعرها خائفة من المزيد من الخذلان.
وحين تصمت المرأة التي كانت تحبك بجنون…
فهذا ليس هدوءًا…
بل نهاية.
هي لم ترحل حين تألمت…
بل رحلت حين شعرت أن ألمها لا يعني أحدًا.
أحبت بصدق…
أعطت دون حساب…
انتظرت كثيرًا…
وبكت بصمت…
ثم دفنت قلبها… وهي لا تزال حيّة.
أقسى ما في القصة…
أنها كانت مستعدة أن تكون وطنًا له…
لكنه لم يمنحها حتى مكانًا صغيرًا في قلبه.
وهكذا انتهت قصة حب لم يقتلها البعد…
ولا الظروف…
ولا الخلاف…
قتلها فقط…
الإهمال.
وهناك نساء كثيرات… لا يمتن فجأة…
بل يُدفنّ أحياء داخل قلوبٍ لم تُقدّر حبهن يومًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى