الأسبوع العربيخاطرة

حين يمر الوقت.. مرتين

حين يمر الوقت.. مرتين

بقلم الأستاذ احمد جابر قلاش

هل لاحظت أن دقيقة الانتظار لا تشبه دقيقة الفرح؟
اجلس أمام ساعة في مكان هادئ، وانتظر شيئًا تحبه. ستجد عقاربها ثقيلة، كأنها تتعمد استفزازك. ثم افعل الشيء نفسه وأنت غارق في حديث تحبه أو لحظة تتمنى ألا تنتهي… ستكتشف أن الساعة سرقت منك الوقت دون أن تشعر.
لكن الحكاية لا تنتهي هنا.
بعد سنوات، قد تتذكر ذلك اليوم الذي ظننته عاديًا، فتكتشف أنه لم يكن عاديًا على الإطلاق. وجه شخص، ضحكة، شارع، رائحة، كلمة قيلت في لحظة عابرة… وفجأة يعود الزمن.
ليس كما كان، بالطبع.
إنه يعود من خلال الذاكرة.
وهنا تكمن المفارقة: نحن لا نعيش الزمن مرة واحدة.
نعيشه حين يحدث، بكل ما فيه من خوف وفرح وانتظار وملل، ثم نعيشه مرة أخرى حين تستعيده ذاكرتنا. وفي المرتين لا يكون الشعور متطابقًا.
ولهذا تبدو طفولتنا طويلة بشكل غريب. كانت مليئة بالأشياء الأولى: أول يوم مدرسة، أول صديق، أول رحلة، أول نجاح، وأول مرة نكتشف فيها أن العالم أكبر من البيت الذي كنا نعيش فيه.
تخيل طفلًا في العاشرة. سنة واحدة بالنسبة إليه تمثل نحو 10% من عمره؛ لذلك تبدو السنة الدراسية أو إجازة الصيف فترة ضخمة، مليئة بالأيام والتفاصيل.
أما شخص في الأربعين، فسنة واحدة لا تمثل سوى 2.5% من عمره. ومع تكرار الأيام وتشابهها، قد يشعر أن السنوات أصبحت تمر أسرع، كأنها صفحات تُقلب دون أن ننتبه.
ربما لم يتغير الزمن.
نحن الذين تغيرنا في طريقة استقبالنا له.
فالساعة لا تتوقف لأجل حزننا، ولا تسرع من أجل فرحنا. إنها تمضي فقط.
أما نحن، فنمنح مرورها معنى.
ولهذا لا يكون السؤال الأهم: كم بقي من الوقت؟
بل: ماذا تركنا في الوقت الذي مضى؟
لأن السنوات ستغادرنا جميعًا…
لكن ما عشناه بصدق، وما أحببناه، وما ترك أثرًا في أرواحنا، قد يعود إلينا يومًا من باب الذاكرة.
فالزمن يمضي مرة… وبعض اللحظات تعود مرتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى