
حين يغيب الاعتماد وتحضر الفوضى
بقلم: ريمون عصام خليل
محلل للشأن العام وكاتب الخبطة الاستقصائية
كاتب يقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحكم المستخلصة
في تفاصيل الحياة المهنية والتطبيقية، لا تكمن المشكلة دائماً في وجود المنافسة؛ فالمنافسة الشريفة والمكفولة تشكل حقاً أصيلاً وضرورة ميدانية تدفع أرباب المهن نحو التحديث المستمر وتطوير الأداء. بيد أن الأزمة الهيكلية تبدأ حصراً عندما تتماهى تلك المنافسة المشروعة مع ممارسات واجتهادات فردية تفترض الضوابطُ والتشريعاتُ خضوعَها لاشتراطات معيارية وقانونية صارمة، في حين يجري القفز على تلك المحددات وتجاوزها بالكامل تحت غطاء “الخبرة المكتسبة” أو الاعتماد الأحادي على طول الممارسة الشخصية.
وهنا تحديداً تتكشف فجوة رقابية وتنظيمية تستوجب الوقوف عندها وتفكيك أبعادها.
إن نيل المؤهل التخصصي أو الترخيص والاعتماد المهني ليس مجرد إجراء شكلي أو وثيقة ورقية تُحفظ داخل الملفات؛ بل هو في جوهره وقيمته برهانٌ قاطع على قطع مسار رصين من التأسيس العلمي، والتدريب الميداني، والمسؤولية القانونية، وفقاً لما تمليه طبيعة كل مهنة واشتراطات أجهزة الدولة. وعندما يتصدى فرد لممارسة عمل منظم ودقيق دون استيفاء أركانه وشروطه التشريعية، فإن الطرح يتجاوز مجرد مزاحمة غير عادلة على فرصة عمل، ليمتد أثره المباشر إلى ضرب معايير السلامة العامة، وتراجع جودة المخرجات، واهتزاز حقوق الممارسين المستوفين للتراخيص والاعتمادات.
والجانب الأكثر خطورة وحساسية يكمن في الوضع المربك الذي يجد أصحاب الخبرات والاعتمادات النظامية أنفسهم فيه؛ سنوات طويلة من التحصيل والتأهيل والالتزام بالمواصفات القياسية والرسوم التنظيمية، في مواجهة آخرين يلجون الأنشطة من مسارات جانبية، ويقدمون أعمالاً هندسية أو إجرائية أو تشغيلية يفترض القانون الخاضع له القطاع إخضاعها لمعايير ومراقبة حازمة.
ولا ينبغي بأي حال أن يُفهم هذا الطرح الاستقصائي باعتباره افتعالاً لخصومة مع الكوادر العاملة؛ فالقضية ليست في السعي المشروعي لطلب الرزق، ولا في انتقاص قدرة الحرفي صاحب الخبرة العملية في نطاق تخصصه، بل تتجلى المعضلة في تعدي حدود الاختصاص، وممارسة مهام وأعمال موجهة تستوجب التخصص والترخيص دون التأهل القانوني اللازم.
ومن هذا المنطلق تتبدى المسؤولية الوطنية والأخلاقية للأجهزة التنظيمية والرقابية؛ فالمطلوب ميدانياً ليس إغلاق منافذ العمل، بل ضبط الإيقاع العام ليكون كل طرف على بينة من حدود صلاحياته وتخصصه، ولتُتاح بيئة تنافسية عادلة تضمن للكوادر المعتمدة حقها، وتمنح المواطن والمستهلك الطمأنينة الكاملة بأن الكيان أو الشخص المتصدي للمهمة مؤهل فنياً وقانونياً لحماية أرواح الناس وأموالهم.
إن الحماية الرقابية الصارمة والعدالة التنظيمية لا تنحصر منافعها في أصحاب المهنة المعتمدين، بل تشكل خط الدفاع الأول عن حماية المجتمع بكامله.
وقد يبدو من السهل رهن الأمر لمعادلة “العرض والطلب” وترك السوق ليصفي ذاته، بيد أن آليات السوق المفتوحة عاجزة بمفردها عن التمييز الفاصل بين الممارسة العشوائية وبين التخصص النظامي المعايَر، لا سيما عندما تتجاوز تبعات الخطأ الميداني الخسائر المالية المجردة لتسفر عن أضرار مادية، أو إنشائية، أو مخاطر بشرية لا يمكن تداركها.
وعليه، فإن تنظيم قطاعات العمل ليس ترفاً بيروقراطياً، والاعتماد المهني ليس مجرد مسمى بروتوكولي؛ بل هما ركيزتان أساسيتان في منظومة متكاملة قوامها الأمانة، والشفافية، وحماية أمن المجتمع وممتلكاته.
والوعي هنا لا يطالب بتقييد يسعى للقطع، بل ينادي بإنفاذ سيادة القانون، بحيث يعمل كل فرد في مساره المعتمد، وتُبنى التنافسية على الكفاءة والالتزام الفني، لا على خرق القواعد واستسهال الضوابط.
والحكمة التي تستحق أن تبقى معنا:
حين تحمي الدولة ضوابط المهنة، فهي لا تحمي أصحابها فقط؛ بل تحمي حق المجتمع في خدمة آمنة ومسؤولة.
ملخص الموضوع ببساطة:
المقال بيتكلم عن فوضى غياب التراخيص والاعتماد المهني ولما الشخص يمارس مهنة محتاجة ضوابط قانونية بالفهلوة أو بالخبرة الفردية فقط.
فكرة المقال متلخصة في نقاط بسيطة:
* المنافسة صحية بشرط: المنافسة الشريفة حلوة وبتطور السوق، لكن الأزمة لما يدخل حد يشتغل في مجال منظم ومحتاج تراخيص واشتراطات وهو معندوش الاعتماد القانوني ده.
* الاعتماد مش مجرد ورقة: الترخيص أو الشهادة المهنية مش ورقة في ملف، دي إثبات على دراسة وتدريب ومسؤولية؛ والتعدي عليها بيضر جودة الشغل وسلامة الناس قبل أي حاجة.
* ظلم المتخصصين: الناس اللي درست واتدربت والتزمت بالقانون بتلاقي نفسها في منافسة غير عادلة مع ناس دخلت المجال من أبواب خلفية بدون التزام بالاشتراطات.
* المطلوب تنظيم مش قطع أرزاق: الهدف مش إننا نمنع حد من أكل العيش أو نقلل من الفني صاحب الخبرة، لكن إن كل واحد يلتزم بتخصصه وشغله، والرقابة تضمن للمواطن إن اللي شغال في حاجة تخص سلامته أو فلوسه مؤهل فعلاً.
* الخلاصة: تنظيم المهن مش ترف إداري ده حماية للمجتمع؛ ولما الدولة تحمي ضوابط المهن، هي مش بتحمي صاحب الترخيص بس، دي بتحمي حق المواطن في إنه ياخد خدمة آمنة ومكفولة بالقانون.





