
الأوراق أقوى من صخب المشهد
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لم تكن واقعة مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار مجرد مشهد عابر التقطته الكاميرات ثم إنتهى بإنتهاء الجولة. فقد خرج المشهد من أسوار المدرسة إلى فضاء أوسع بكثير. وتحول خلال ساعات إلى حديث واسع على منصات التواصل الإجتماعى. ليس لأن الناس تبحث دائماً عن مشهد مثير. ولكن لأن المشهد وضع أمامها سؤالاً إنسانياً وإدارياً بالغ الأهمية. ماذا يفعل مدير مؤسسة عامة عندما يرى إحتياجات أساسية لا تجد طريقها إلى الحل فى الوقت المناسب؟
من خلال المشهد المتداول والتغطيات الصحفية المنشورة. ظهرت مديرة المدرسة وهى تحاول شرح موقفها وتقديم مستندات ومخاطبات تتعلق بإحتياجات المدرسة. كما تحدثت عن تحملها نفقات من مالها الخاص للمساهمة فى إصلاح بعض المشكلات. وهنا ظهرت النقطة التى جذبت تعاطف كثير من المتابعين. فالصورة التى وصلت إلى المشاهد لم تكن صورة مديرة تتحدث عن رغبة شخصية. وإنما صورة موظفة تقول إن لديها مشكلة. وتقول أيضاً إن لديها مستندات تثبت أنها خاطبت الجهات المختصة. وإنها حاولت أن تفعل شيئاً فى حدود قدرتها عندما تأخرت الإستجابة.
ولا يحتاج القارئ إلى أن يختار طرفاً وينتصر له حتى يفهم خطورة المشهد. فالإنصاف يقتضى أن نميز بين التعاطف الإنسانى وبين الحكم على المسؤولية. وأن نميز بين ما ظهر فى الفيديو وبين ما يمكن إثباته بالمستندات والتحقيق الإدارى. لذلك لا يصح أن تتحول منصات التواصل الإجتماعى إلى محكمة. كما لا يصح أن يتحول المسؤول إلى خصم لمجرد أن طريقة الحوار لم تلق قبولاً لدى المشاهدين.
ومع ذلك. فإن أسلوب التعامل مع الموظف أمام الناس يحمل دلالة أكبر من الكلمات نفسها. فالمسؤول الإدارى يملك سلطة الموقع. بينما الموظف الموجود أمامه يملك فى المقابل حق أن يعرض ما لديه من معلومات ومستندات. وكلما كانت المسألة مرتبطة بمؤسسة تخدم الأطفال والطلاب. أصبح الهدوء والإستماع أكثر أهمية. لأن الهدف فى النهاية ليس إثبات من كان أقوى فى الحوار. وإنما الوصول إلى الحقيقة ثم إصلاح الخلل.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف فى هذه الواقعة هو المستند. فالورقة الإدارية ليست مجرد قطعة من الورق. إنها ذاكرة المؤسسة. إنها تخبرنا متى ظهرت المشكلة. ومن تم إبلاغه. ومتى تم الإبلاغ. وما الذى حدث بعد ذلك. ولهذا فإن أفضل طريقة للتعامل مع مثل هذه الحالات ليست بالصوت المرتفع ولا بالإنطباعات. وإنما بفتح الملف. ومراجعة المخاطبات. وفحص ما تم بشأنها. ثم معرفة أين توقفت الإجراءات. ولماذا توقفت.
أما مسألة إنفاق مديرة المدرسة من مالها الخاص. فإذا ثبتت المستندات الخاصة بذلك. فإنها تعكس فى جانبها الإنسانى شعوراً بالمسؤولية تجاه المكان الذى تعمل فيه. لكنها فى الوقت نفسه تكشف عن مشكلة أكبر. فالإعتماد على جيب الموظف ليس نظاماً لإدارة المؤسسات العامة. ولا يمكن أن يكون الحل الدائم لمشكلات الصيانة والمرافق. الموظف قد يتصرف بدافع الضمير. لكن المؤسسة تحتاج إلى موارد رسمية وآليات واضحة وسريعة حتى لا يصبح الإصلاح مرتبطاً بالقدرة الشخصية للعامل على الإنفاق.
وهنا نصل إلى أصل المشكلة. ليست المشكلة فى أن مدرسة إحتاجت إلى إصلاحات. فكل مؤسسة تتعرض للأعطال والتلف مع مرور الوقت. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تكون الحاجة معروفة. وتصل بشأنها مخاطبات. ثم تمر الأيام دون حل واضح. فينشأ فراغ بين المشكلة والحل. وفى هذا الفراغ تتولد الأزمات. ويتحول العطل الصغير إلى مشكلة كبيرة. ويتحول الموظف الذى يحاول إحتواء المشكلة إلى شخص يدافع عن نفسه بدلاً من أن يتفرغ لعمله.
الحل العملى يبدأ من نقطة بسيطة. كل مدرسة تحتاج إلى سجل واضح لإحتياجاتها الأساسية. صيانة. مياه. صرف. كهرباء. أثاث. أمن. نظافة. وكل بند يجب أن يكون له تاريخ تسجيل. وتاريخ مخاطبة. والجهة المسؤولة عنه. وحالة التنفيذ. والموعد المتوقع للإنتهاء. وبذلك تصبح المشكلة قابلة للمتابعة والمحاسبة الإدارية الموضوعية دون الحاجة إلى إنتظار جولة مفاجئة أو إنتشار مقطع على مواقع التواصل الاجتماعى.
ويجب أيضاً أن تكون هناك آلية سريعة للتعامل مع الإحتياجات العاجلة داخل المدارس. بحيث لا تضطر الإدارة المحلية أو التعليمية إلى إنتظار إجراءات طويلة فى مشكلة تمس سلامة الطلاب أو إنتظام العملية التعليمية. كما يجب أن تكون هناك متابعة دورية للمشكلات التى تم الإبلاغ عنها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث فى الإدارة ليس إكتشاف المشكلة. وإنما إكتشافها ثم نسيانها.
ومن ناحية أخرى. فإن المسؤول الإدارى الناجح لا يفقد هيبة موقعه عندما يستمع إلى موظف أقل منه فى الدرجة الوظيفية. بل إن قوة المسؤول تظهر عندما يستطيع أن يستمع دون إنفعال. ويفحص دون تحيز. ويأمر بالإصلاح عندما يثبت وجود خلل. فالهيبة الحقيقية لا تصنعها نبرة الصوت. وإنما تصنعها القدرة على حل المشكلات وتحقيق النتائج.
وفى المقابل. فإن الموظف الناجح ليس هو الذى يرفع صوته فى مواجهة المسؤول. وإنما هو الذى يحتفظ بالمستند. ويوثق المخاطبة. ويتبع القنوات الرسمية. ويعرض المشكلة بوضوح. فإذا إختلفت الروايات. بقيت الوثائق قادرة على كشف الحقيقة.
ربما كان من الممكن أن تمر هذه الواقعة دون كل هذا الجدل لو أن المشهد إنتهى بتفهم المشكلة. ومراجعة المستندات. وتحديد المسؤولية. ووضع خطة للإصلاح. لكن إنتشار الفيديو جعل الرأى العام يرى جزءاً من لحظة إدارية كان يمكن أن تبقى داخل جدران المدرسة. وهنا ينبغى أن نتعامل مع الأمر بحكمة. لا بالتشهير. ولا بالإدانة المسبقة. ولا بتحويل الأشخاص إلى رموز للبطولة أو الفشل بناءً على دقائق قليلة من تسجيل مصور.
إن التعاطف مع مديرة المدرسة مفهوم من الناحية الإنسانية. خصوصاً إذا ثبت بالفعل أنها تحملت نفقات من مالها الخاص وحاولت معالجة إحتياجات المدرسة. لكن الإنصاف يقتضى أن نذهب إلى ما هو أبعد من التعاطف. أن نسأل لماذا إضطرت إلى ذلك أصلاً؟ ولماذا لم تكن هناك آلية مؤسسية كافية تمنع وصول المشكلة إلى هذه المرحلة؟ وكيف يمكن أن نضمن ألا يتكرر الأمر مع مدير مدرسة آخر؟
هذه هى الأسئلة التى تستحق أن تبقى بعد أن يهدأ صخب مواقع التواصل الإجتماعى. فالترند ينتهى. والفيديو يختفى من واجهة المنصات. أما المشكلة الإدارية فتظل موجودة إذا لم نعالج جذورها.
والحل الحقيقى ليس فى معاقبة شخص لمجرد أن الجمهور غضب. وليس فى تكريم شخص لمجرد أن الجمهور تعاطف معه. الحل فى مراجعة الوقائع. وفحص المستندات. وتحديد المسؤوليات وفق القواعد. وإصلاح المدرسة. ووضع نظام يمنع تكرار المشكلة.
فالمدرسة فى النهاية ليست مسرحاً لصراع بين مسؤول ومديرة. إنها بيت يتلقى فيه أبناؤنا العلم. وكل طرف يعمل داخلها يجب أن يتذكر أن الهدف أكبر من الأشخاص والمناصب. الهدف أن يدخل الطالب إلى مدرسة آمنة ونظيفة وصالحة للتعلم.
وربما يكون الدرس الأهم من هذه الواقعة أن الإدارة حين تستمع قبل أن تحكم. والموظف حين يوثق قبل أن يتحدث. والمؤسسة حين تعالج قبل أن تتفاقم المشكلة. فإن الجميع ينتصرون. أما حين تتحول المشكلة إلى صراع شخصى. فإن المؤسسة هى التى تدفع الثمن.
لهذا فإن أفضل ما يمكن أن نخرج به من هذه الواقعة ليس سؤالاً عن من إنتصر فى المشهد. وإنما سؤال أكثر نضجاً. هل نستطيع أن نحول لحظة أثارت غضب الناس إلى فرصة لإصلاح طريقة التعامل مع إحتياجات مدارسنا؟ إذا كانت الإجابة نعم. فربما يكون لهذا المشهد معنى يتجاوز الضجة. ويصبح ما حدث بداية لثقافة إدارية أكثر إحتراماً للإنسان. وأكثر إعتماداً على الوثيقة. وأكثر سرعة فى حل المشكلة. وأكثر حرصاً على أن يظل الطالب فى قلب كل قرار.





