
كيف نكسب الطفل العنيد؟
بقلم / سهير محمود عيد
يواجه كثير من الآباء والأمهات مشكلة العناد عند الأطفال، حتى أصبحت من أكثر السلوكيات التي تسبب التوتر داخل الأسرة. فالطفل العنيد يرفض الأوامر، ويتمسك برأيه بشدة، وقد يتحول أي طلب بسيط معه إلى معركة يومية مرهقة. لكن ما يجب أن يدركه الأهل أن العناد ليس دائمًا صفة سيئة، بل قد يكون مؤشرًا على قوة الشخصية والرغبة في الاستقلال، والمشكلة الحقيقية ليست في وجود العناد، وإنما في طريقة التعامل معه.
الطفل في سنواته الأولى يحاول اكتشاف نفسه وإثبات وجوده، لذلك يبدأ في قول “لا” كثيرًا، ليس لأنه يكره والديه، بل لأنه يريد أن يشعر بأنه قادر على الاختيار واتخاذ القرار. وهنا يأتي دور الأسرة في توجيه هذا السلوك بطريقة صحيحة دون قسوة أو إهانة أو ضرب، لأن العنف لا يعالج العناد، بل يزيده قوة وتمردًا.
أول خطوة في تعديل سلوك الطفل العنيد هي الهدوء. عندما يصرخ الأب أو الأم بعصبية، فإن الطفل غالبًا سيقابل الصراخ بصراخ أكبر، والعناد بعناد أشد. أما الحوار الهادئ فيجعل الطفل يشعر بالأمان ويمنحه فرصة للاستماع والتفكير. فالطفل يتأثر بنبرة الصوت أكثر من الكلمات نفسها، لذلك فإن أسلوب الحديث يصنع فرقًا كبيرًا في استجابته.
ومن المهم أيضًا أن يشعر الطفل بأنه شخص له رأي واحترام داخل المنزل. يمكن للأهل إعطاؤه اختيارات بسيطة بدلًا من الأوامر المباشرة، مثل: “هل تريد أن ترتب ألعابك الآن أم بعد العشاء؟”. هذه الطريقة تقلل شعوره بالضغط وتجعله أكثر تعاونًا، لأنه يشعر أن القرار نابع منه وليس مفروضًا عليه.
كما يجب على الأهل أن يكونوا قدوة حسنة. فالطفل الذي يرى العصبية والعناد في تصرفات الكبار سيتعلم تقليدها دون وعي. لذلك فإن التحكم في الانفعالات أمام الأطفال جزء أساسي من نجاح التربية. كذلك فإن الاتفاق بين الأب والأم على أسلوب موحد في التعامل يمنع الطفل من استغلال التناقض بينهما لتحقيق ما يريد.
ومن أكثر الأساليب نجاحًا في تعديل السلوك هو التعزيز الإيجابي. عندما يلتزم الطفل أو يستجيب بهدوء، يجب تشجيعه ومدحه، لأن الكلمات الإيجابية تبني ثقته بنفسه وتشجعه على تكرار السلوك الجيد. أحيانًا تكون كلمة “أحسنت” أو حضن دافئ أقوى تأثيرًا من أي عقاب.
أيضًا لا ينبغي تحويل كل موقف إلى عقوبة أو جدال طويل، فبعض التصرفات البسيطة يمكن تجاهلها بحكمة حتى لا يعتاد الطفل جذب الانتباه من خلال العناد. ومع الوقت يتعلم أن الهدوء والتعاون هما الطريق الأفضل للحصول على الاهتمام والحب.
وفي النهاية، يحتاج الطفل العنيد إلى الصبر والاحتواء أكثر من السيطرة والعقاب. فالعناد إذا وُجّه بطريقة صحيحة قد يتحول إلى قوة شخصية وثقة بالنفس وإصرار على النجاح. التربية الناجحة لا تعني كسر شخصية الطفل، بل تعني بناء إنسان قوي ومتزن يعرف كيف يعبر عن نفسه باحترام ومحبة.





