
أمهات التوحّد… صبر لا يُقاس
بقلم / سهير محمود عيد
إلى أمهات أطفال اضطراب طيف التوحد Autism Spectrum Disorder،
شكرًا لكنّ، لأنكن لم تكن مجرد أمهات عاديات، بل كنتن معنى الصبر حين يتحوّل إلى حياة يومية، ومعنى الحب حين يصبح فعلًا متكررًا لا يتوقف مهما اشتدت الصعوبات. أنتن لستن مجرد جزء من رحلة أطفالكن، بل أنتن أساس هذه الرحلة، وركيزة كل خطوة فيها.
شكرًا لأنكن واجهتن طريقًا مختلفًا منذ اللحظة الأولى، طريقًا لم تختارنه، لكنه اختاركنّ، فكنتن على قدر المسؤولية وأكثر. في الوقت الذي ينهار فيه البعض أمام الصدمة الأولى، اخترتن أن تقفن، أن تفهمن، أن تبحثن، أن تسألن، وأن تبدأن من جديد وكأن القوة تولد من داخل الألم نفسه.
كل أم منكن تحمل في قلبها حكاية لا يعرفها إلا الله. ليالٍ طويلة من القلق، تفكير لا يتوقف، محاولات متكررة لتعليم أبسط المهارات، انتظار كلمة، أو نظرة، أو استجابة صغيرة قد يراها البعض عادية، لكنها عندكن إنجاز كبير يساوي العالم كله. ومع ذلك تستمرين، وكأنك تعيدين بناء الحياة من تفاصيل صغيرة جدًا.
شكرًا لأنكن لم تنسحبن حين كان الانسحاب أسهل، ولم تتوقفن حين كان التعب يطلب التوقف. اخترتن أن تستمرن رغم كل شيء، أن تواجهن نظرات المجتمع أحيانًا، وأن تتجاوزن الأحكام السريعة، وأن تحمين أطفالكن من قسوة لا تُقال.
وجودكن في حياة أطفالكن ليس أمرًا عابرًا، بل هو الفرق بين العزلة والتواصل، بين الضياع والأمان، بين الخوف والثقة. أنتن اللغة الأولى حين تغيب الكلمات، واليد التي تمتد حين يعجز الطفل عن التعبير، والصوت الذي يشرح للعالم كيف يُفهم المختلف لا كيف يُرفض.
طفلكِ لا يحتاج أمًا كاملة، بل يحتاج أمًا حقيقية، تشعر، تتعب، تحاول، وتنهض من جديد. أمًا لا تخجل من التعب، ولا من السؤال، ولا من التعلم المستمر. وهذا بالضبط ما تقدمنه كل يوم دون ضجيج.
شكرًا لأنكن لم تقارنّ أطفالكن بالآخرين، بل اخترتن أن تنظرن إلى كل طفل كحالة خاصة، كعالم مختلف له طريقه الخاص. اخترتن أن تفرحن بالتقدم البسيط، وأن تحتفلن بكل خطوة مهما بدت صغيرة في نظر الآخرين، لكنها عندكن تعني الكثير.
شكرًا لأنكن لم تسمحن لليأس أن يسكن قلوبكن، رغم كل اللحظات الصعبة التي لا يراها أحد. رغم الدموع التي تُخفى، ورغم الإرهاق الذي لا يُقال، ورغم الأسئلة التي بلا إجابة واضحة.
أنتن لستن فقط أمهات، بل صانعات أمل، ومربيات روح، وبانيات مستقبل لا يُرى بسهولة لكنه يُصنع كل يوم. وجودكن في حياة أطفالكن هو أعظم دعم يمكن أن يُقدَّم، وأصدق حب يمكن أن يُعاش.
وفي النهاية، يبقى أن نقول: شكرًا لكنّ، لأنكن أثبتن أن الأمومة ليست راحة، بل قوة، وليست كلامًا، بل فعلًا، وليست لحظة، بل عمرًا كاملًا من العطاء. أنتن حقًا صبر لا يُقاس، وحب لا ينتهي، ورسالة إنسانية تمشي على الأرض.





