اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالات

كيف نُعلّم أبناءنا مواجهة التنمر؟

كيف نُعلّم أبناءنا مواجهة التنمر؟
بقلم / سهير محمود عيد
أصبح التنمر اليوم ليس مجرد موقف عابر في المدرسة أو الشارع، بل سلوكًا يتكرر في أماكن كثيرة: بين الأطفال، وبين الكبار أيضًا، بل وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. والأسوأ أن كثيرًا من الأطفال يتعرضون له بصمت، دون أن يعرفوا كيف يحمون أنفسهم أو يطلبون المساعدة.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود المتنمر فقط، بل في الطفل الذي لا يملك أدوات نفسية وسلوكية لمواجهة الموقف. لذلك فإن التربية لم تعد فقط تعليمًا وأخلاقًا، بل أصبحت أيضًا تدريبًا على الحماية النفسية والقدرة على المواجهة.
أول خطوة في تعليم الطفل مواجهة التنمر هي أن نفهمه أن المشكلة ليست فيه.
يجب أن نغرس داخله فكرة واضحة: أن أي سخرية أو إهانة يتعرض لها ليست بسبب نقص فيه، بل بسبب خطأ من الشخص الآخر. هذه الفكرة وحدها تحمي الطفل من الشعور بالذنب أو الخجل من نفسه.
ثم يأتي دور التمييز بين المزاح والتنمر. كثير من الأطفال لا يعرفون الفرق بين الدعابة الطبيعية وبين الإهانة المتكررة. لذلك يجب أن نوضح لهم أن المزاح لا يسبب ألمًا، ولا يقلل من قيمة الشخص، ولا يجعل الطفل يشعر بالضيق أو الإحراج. أما إذا حدث العكس، فهذا ليس مزاحًا بل تنمرًا يجب التوقف عنده.
من المهم أيضًا تدريب الطفل على لغة الجسد.
أن يقف بثبات، أن ينظر في عين من يتحدث إليه دون خوف، وألا يضحك أو يتجاهل الإهانة إذا كان متضايقًا. لأن المتنمر غالبًا يستمد قوته من رد فعل الضحية، وليس من الكلمات نفسها.
ولا يمكن إغفال دور الجمل البسيطة التي يمكن أن يستخدمها الطفل للدفاع عن نفسه، مثل:
“هذا الكلام غير مقبول”، أو “لا يعجبني ما تقوله”، أو “توقف عن ذلك”.
هذه العبارات القصيرة تمنحه إحساسًا بالسيطرة دون الحاجة للدخول في صراع أو عنف.
وفي بعض الحالات، يجب أن نعلّم الطفل أن الانسحاب ليس ضعفًا.
إذا شعر أن الموقف يتكرر أو يزداد سوءًا، فمن الذكاء أن يبتعد ويطلب المساعدة من شخص بالغ موثوق، سواء معلم أو أحد الوالدين. فالقوة الحقيقية ليست في المواجهة الدائمة، بل في معرفة متى نحمي أنفسنا بالطريقة الصحيحة.
لكن كل هذه المهارات لا تكفي وحدها بدون عنصر أساسي: الثقة بالنفس.
فالطفل الواثق من نفسه أقل عرضة لأن يهتز من كلمة أو نظرة. لذلك من المهم أن يشعر داخل بيته بالقبول والدعم، بعيدًا عن المقارنة المستمرة أو النقد الجارح. الطفل الذي يسمع كلمات تشجيع حقيقية، يكبر وهو أكثر قدرة على مواجهة الآخرين بثبات.
كما يجب أن تكون رسالة الأهل واضحة دائمًا:
“يمكنك أن تخبرنا بأي شيء يحدث لك دون خوف.”
لأن الطفل الذي يخاف من رد فعل أهله، غالبًا سيواجه وحده، وهذا ما يجعل أثر التنمر أعمق وأخطر.
في النهاية، مواجهة التنمر ليست مهارة واحدة، بل بناء نفسي متكامل يبدأ من البيت قبل المدرسة، ومن الوعي قبل الرد.
نحن لا نربي أبناءنا فقط ليكونوا ناجحين، بل لنعلّمهم أيضًا كيف يحترمون أنفسهم، ويحافظون على كرامتهم، ولا يسمحون لأي أحد أن يقلل منهم.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى