
بقلم/ د.لينا أحمد دبة
بعض الأشخاص لا يشبهون أحدًا، ولا يمكن أن نضعهم في خانة العابرين أو نمنحهم وصفًا عاديًا كما نفعل مع الآخرين. هناك من يدخلون حياتنا فيغيرون ترتيب الأشياء، ويمنحون للأيام معنى جديدًا، ويجعلون اللغة نفسها تبحث عن مفردات تليق بهم. هؤلاء لا تكفيهم جملة عابرة، ولا يصفهم حديث سريع، لأن حضورهم أعمق من أن يُختصر، وغيابهم أكبر من أن يُحتمل.
حين يحب الإنسان بصدق، يشعر أحيانًا أن كل ما قيل في الحب لا يكفي، وأن كل القصائد التي كُتبت من قبل لم تلامس ما يشعر به في داخله. فيبدأ بمحاولة صنع شيء جديد، شيء لا يشبه إلا من يحب. يحاول أن يجمع الحروف كما يجمع قلبه شتات مشاعره، وينحت من الكلمات معنى يليق بذلك الوجه الذي غيّر تفاصيله، وتلك الروح التي صارت وطنًا له.
قد يكتب المحب اسمًا، أو يهدي وردة، أو يرسل رسالة، لكن هناك حبًّا أعمق من كل تلك الأشياء؛ حب يجعل الإنسان يقول دون تردد: كُلّي لكِ. ليست مجرد عبارة رومانسية، بل إعلان كامل بأن القلب وما يحمل، والروح وما تخفي، والأحلام وما تنتظر، كلها أصبحت لشخص واحد.
في هذه العبارة اختصار مدهش لمعنى العطاء الكامل. أن تمنح شخصًا بعض وقتك أمر سهل، وأن تعطيه اهتمامًا مؤقتًا أمر معتاد، لكن أن تقول له إنك بكلك له، فهذا يعني أنك سلمته أجمل ما فيك دون خوف، ووضعت بين يديه ثقتك، وفتحت له أبوابك المغلقة، وجعلته أقرب إليك من نفسك.
والأجمل في الحب الحقيقي أنه لا يرتبط باتجاه واحد. فإذا قرأته من اليمين وجدك حاضرًا، وإذا قرأته من اليسار وجدك باقياً. لأن المشاعر الصادقة لا تتغير بتغير المسافات، ولا تنقلب حين تدور الأيام، بل تبقى كما هي، نقية وواضحة مهما اختلفت الجهات.
الحب ليس كثرة كلام، بل شعور يجعل الإنسان أكثر صدقًا، وأكثر لطفًا، وأكثر حياة. يجعل من كلمة صغيرة عالمًا واسعًا، ومن نظرة عابرة عمرًا كاملًا، ومن شخص واحد معنى لكل الأشياء.
لذلك، حين تجد من يستحق أن تقول له: كُلّي لكِ، تمسّك به. فليس كل الناس أوطانًا، وليس كل القلوب منازل آمنة، وليس كل من نحبهم يمنحوننا شعور الاكتمال.
بعضهم فقط… إذا حضروا، صار القلب لهم.





