
وباعد بيننا وبين القاسية قلوبهم
بقلم / سهير محمود عيد
اللهم باعد بيننا وبين القاسية قلوبهم… أولئك الذين لا يرون في وجعنا سوى مبالغة، ولا يشعرون بثقل الحزن حين يثقل صدورنا، ولا يتوقفون لحظة ليسألوا: ماذا فعلنا بهم؟ كيف انكسروا ونحن بجوارهم؟
القسوة ليست كلمة عابرة، بل طعنة خفية لا تُرى، لكنها تُميت شيئًا في الداخل كل مرة. هي نظرة باردة في وقت كنا نحتاج فيه احتواء، كلمة جارحة في لحظة ضعف، صمت قاتل حين كنا نصرخ دون صوت. القسوة أن تُترك وحدك وأنت في أشد الحاجة، أن تُخذل من شخص ظننته الأمان، أن تُقابل حبك الصادق ببرودٍ لا يُحتمل.
كم مرة تحملنا ما لا يُحتمل فقط لأننا أحببنا؟ كم مرة صمتنا كي لا نخسر، فخسرنا أنفسنا؟ كنا نظن أن الصبر سيُصلح كل شيء، وأن التحمّل سيُلين القلوب، لكن الحقيقة المؤلمة أن بعض القلوب لا تُجيد إلا القسوة، ولا تتغير مهما منحتها من حب، ومهما حاولت أن تُظهر لها جمال الرحمة.
اللهم إن القسوة تُهلك الأرواح قبل أن تُتعب الأجساد. تجعل الإنسان يشك في نفسه، في قيمته، في استحقاقه للحب. تُحوّل الطمأنينة إلى قلق، والدفء إلى برود، والاقتراب إلى خوف. ومع كل موقف قاسٍ، يتعلم القلب درسًا جديدًا: أن يحذر، أن ينكمش، أن يبتعد.
لم نكن يومًا ضعفاء… كنا فقط نُحب بصدق. كنا نمنح من أرواحنا دون حساب، ونُعطي دون انتظار مقابل. لكنهم استهانوا بهذا العطاء، وظنوا أن القلوب التي تصبر لا تنكسر، وأن من يسامح دائمًا لن يرحل أبدًا. ولم يعلموا أن لكل قلبٍ حدًا، وأن الصبر إذا زاد عن حده تحوّل إلى وجعٍ لا يُحتمل.
اللهم أبعد عنا من كسروا فينا شيئًا لا يُجبر بسهولة، من تركوا في أرواحنا ندوبًا لا تُرى لكنها تُؤلم كل يوم. أبعد عنا من جعلونا نخاف من مشاعرنا، ونحسب لكل كلمة ألف حساب، ونخشى أن نُظهر ضعفنا مرة أخرى.
علّمنا يا الله أن نختار أنفسنا دون شعور بالذنب، أن نبتعد حين لا نجد التقدير، وأن نُغلق الأبواب التي لم يدخل منها سوى الأذى. علّمنا أن البعد ليس قسوة، بل رحمة بالنفس، وأن الانسحاب أحيانًا هو النجاة الوحيدة.
وباعد بيننا وبين القاسية قلوبهم… بعداً يحمينا من تكرار الألم، ومن الرجوع إلى نفس الدائرة، ومن إعطاء من لا يستحق. واجعل نصيبنا قلوبًا تعرف الرحمة، تُقدّر المشاعر، وتخاف علينا كما نخاف عليها.
فنحن لا نطلب الكثير… فقط قلبًا يشعر، ويدًا تُربّت، وكلمة تُحيي ما بداخلنا من أمل. نريد أمانًا لا يُخيفنا، وحبًا لا يُرهقنا، ووجودًا لا يُكسِرنا.
اللهم عوضنا خيرًا عن كل قسوةٍ مررنا بها، واجعل ما فقدناه بابًا لما هو أجمل… وأصدق… وأرحم.





