أخبار الأسبوعالأسبوع العربيخاطرة

ضيق الوقت أم ضيق المكانة

بقلم / د.لينا أحمد دبة 

يعيش الإنسان في هذا العصر تحت ضغط متواصل من المسؤوليات والالتزامات، حتى صار الانشغال سمة مشتركة بين الجميع. فكل شخص يحمل ما يكفيه من الأعباء، ويسابق ساعات يومه ليُنجز ما عليه، ويبحث عن لحظة راحة بين زحام الحياة. ومع ذلك، يبقى سؤال مهم يفرض نفسه دائمًا: هل الغياب سببه حقًا ضيق الوقت، أم أن السبب أعمق من ذلك؟

الحقيقة أن الوقت محدود عند الجميع، لا أحد يملك يومًا أطول من الآخر، ولا أحد نجا من ضغط العمل أو كثرة الالتزامات. لكن ما يختلف من شخص لآخر هو ترتيب الأولويات، والمكانة التي يمنحها للناس في قلبه وحياته. فالإنسان بطبيعته يخصص جزءًا من وقته لما يهتم به، مهما كانت ظروفه، ويبحث عن نافذة صغيرة يصل منها إلى من يحب.

نرى ذلك بوضوح في التفاصيل البسيطة؛ فالشخص المشغول قد لا يجد ساعة كاملة، لكنه يستطيع أن يرسل رسالة قصيرة، أو يسأل سؤالًا عابرًا، أو يطمئن بكلمة صادقة. وقد يكون مرهقًا، لكنه يختار أن يمر على من يعنيه أمره ولو للحظات. ليس لأنه يملك فراغًا أكثر، بل لأنه يملك رغبة حقيقية في الحضور.

أما حين تتراجع المكانة، فإن أبسط الأشياء تتحول إلى عبء. يصبح الرد ثقيلًا، والسؤال مؤجلًا، والاهتمام مهمة لا حماس فيها. ويُستخدم الانشغال حينها كعذر مقبول، بينما الحقيقة أن المشكلة ليست في ضيق الوقت، بل في ضيق المساحة التي يحتلها الآخر داخل القلب.

ولهذا يجب ألا نقيس محبتنا للناس بكثرة وعودهم، بل بصدق حضورهم. فالكلمات سهلة، أما الاهتمام فيظهر في المواقف الصغيرة، وفي الاستمرار رغم التعب، وفي القدرة على إيجاد وقت وسط الفوضى. ومن يريد شخصًا بصدق، لا ينتظر الظروف المثالية، بل يصنع من يومه مكانًا له.

إن العلاقات لا تنهار غالبًا بسبب نقص الوقت، بل بسبب نقص التقدير. فحين يشعر الإنسان أنه مؤجل دائمًا، وأن وجوده يأتي بعد كل شيء، يبدأ في الانسحاب بصمت. لأن القلوب لا تحتاج الكثير، لكنها تحتاج أن تشعر بأنها مهمة.

لذلك، لا تنخدع دائمًا بحجة الانشغال، ولا تفسر كل غياب بأنه قسوة الظروف. فبعض الغياب سببه الحقيقي أن المكانة لم تعد كما كانت، وأن القلب حين يضيق، يتسع لكل الأعذار. ومن أرادك حقًا، سيصل إليك ولو بدقيقة واحدة، لأن المسافة الحقيقية ليست بين الأوقات، بل بين القلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى