أخبارالأسبوع العربيالسياسية والعسكرية

سقوط الهيمنة وصعود قوة الشرق الأوسط

سقوط الهيمنة وصعود قوة الشرق الأوسط

بقلم: خالد مراد

في مشهد سياسي وعسكري بالغ التعقيد، جاء الإعلان عن وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية ليضع نهاية مؤقتة لمواجهة كانت تحمل في طياتها احتمالات انفجار إقليمي واسع.

لم تكن هذه الهدنة مجرد استراحة محارب، بل كشفت بوضوح عن تحولات عميقة في موازين القوى، وفضحت الكثير من المسلمات التي طالما تم الترويج لها لعقود، وعلى رأسها فكرة الهيمنة الأمريكية المطلقة، وضمانات الحماية التي تقدمها واشنطن لحلفائها.

عند تفكيك أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل من هذه المواجهة، نجد أنها كانت تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: إسقاط النظام الإيراني، القضاء على برنامجه الصاروخي، والسيطرة أو تحييد قدراته النووية، خاصة ما يتعلق باليورانيوم المخصب.

إلا أن الواقع الميداني والسياسي أثبت فشل هذه الأهداف بشكل واضح، حيث لم يتحقق أي منها، وهو ما يطرح تساؤلًا منطقيًا: إذا لم تتحقق الأهداف، فأين هو النصر؟

في المقابل، نجحت إيران في الصمود، بل وتجاوزت مرحلة الدفاع إلى مرحلة فرض الإرادة. فقد استطاعت أن تثبت للعالم أنها ليست هدفًا سهلًا، وأنها قادرة على الردع وإلحاق خسائر مباشرة بخصومها، وهو ما أدى إلى إعادة حسابات القوى الكبرى في التعامل معها.

لكن الأهم من ذلك، هو ما كشفته هذه المواجهة من هشاشة في منظومة الحماية الأمريكية لدول الخليج. فعلى الرغم من الوجود العسكري الأمريكي الكثيف، ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة، لم تستطع هذه المنظومة أن تقدم ضمانة حقيقية ضد التهديدات المتصاعدة.

وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مصيرية: هل كانت هذه الحماية حقيقية أم مجرد مظلة سياسية باهظة التكلفة؟ وهل يمكن الاعتماد عليها في لحظات الحسم؟

لقد أثبتت الأحداث أن النهج القائم على الاعتماد الكامل على القوة الأمريكية لم يعد كافيًا، بل وربما أصبح عبئًا استراتيجيًا. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالتفوق العسكري التقليدي، بل بالقدرة على إدارة الصراع المركب، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تكبدت إسرائيل خسائر كبيرة نتيجة حالة الاستنزاف التي فرضتها المواجهة. فقد شهدت قطاعات حيوية مثل السياحة والاستثمار تراجعًا ملحوظًا، إلى جانب ارتفاع تكاليف الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ، والتي تُعد من الأعلى تكلفة في العالم.

كما تضررت البنية الاقتصادية نتيجة تعطيل جزئي للحياة اليومية، وتراجع الإنتاج في بعض القطاعات نتيجة حالة الطوارئ.

الولايات المتحدة بدورها لم تكن بمنأى عن الخسائر، حيث تحملت أعباء مالية ضخمة نتيجة دعم العمليات العسكرية، وتأمين الملاحة الدولية، وحماية مصالحها في المنطقة.

كما تأثرت أسواق الطاقة بشكل مباشر، ما انعكس على الاقتصاد العالمي، وزاد من الضغوط التضخمية، وهو ما ارتد بدوره على الداخل الأمريكي في صورة أعباء اقتصادية وسياسية.

كما أن التهديد المتكرر لمضيق هرمز شكّل ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران، حيث لوّحت بإمكانية تعطيل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وهو ما كان كفيلًا بإرباك الأسواق العالمية ورفع أسعار النفط، وبالتالي تعميق الخسائر الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

في سياق موازٍ، عززت إيران من تحالفاتها الدولية، خاصة مع الصين وروسيا، وهو ما منحها بعدًا استراتيجيًا جديدًا، وخلق نوعًا من التوازن الدولي في مواجهة النفوذ الأمريكي.

هذه التحالفات لم تكن مجرد علاقات سياسية، بل امتدت إلى مجالات الاقتصاد والطاقة والتعاون العسكري، بما يعزز من قدرة إيران على الصمود والمناورة.

وفي ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن هذه المواجهة لم تكن مجرد صراع عسكري تقليدي، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لمفاهيم القوة والهيمنة والتحالفات.

وقد أثبتت أن العالم لم يعد أحادي القطب كما كان يُروج، وأن القوى الإقليمية باتت قادرة على فرض معادلات جديدة، حتى في مواجهة أكبر القوى العالمية.

لقد سقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، واهتزت صورة القوة العظمى التي تفرض إرادتها بلا مقاومة، وتراجعت الثقة في منظومات الحماية التقليدية.

وفي المقابل، برز نموذج جديد قائم على الصمود، والردع، وتعدد التحالفات.

الخاتمة:

إن الشرق الأوسط بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها، ليس فقط على مستوى الجغرافيا السياسية، بل في جوهر موازين القوة ذاتها.

لقد تغيرت مفاهيم الهيمنة، وتبدلت قواعد النفوذ، ولم تعد القوة تُقاس فقط بما تملكه الدول من سلاح، بل بقدرتها على الصمود وفرض الإرادة وبناء التحالفات.

نحن أمام مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة النظام الإقليمي، حيث لن يكون هناك طرف قادر على الانفراد بالقرار، بل توازنات معقدة تفرض واقعًا مختلفًا… شرق أوسط جديد يولد من رحم الصراع، عنوانه أن زمن الهيمنة المطلقة قد انتهى بلا رجعة.
انا علي مستوي العرب فقد أثبتت الحرب أنه علي العرب التوحد تحت القيادة المصريه الرشيدة وهو السبيل الآمن .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى