
ظل لم يأتِ: التعلق الذي يقتل بلا سبب
بقلم / سهير محمود عيد
سلمى لم تعرف متى بدأ كل شيء.
لم يكن حبًا، لم يكن صداقة واضحة، لم يكن وعدًا…
بل شعورًا، مجرد شعور غريب تسلل إلى قلبها ببطء، واحتل كل مساحة فيه، حتى صار يتحكم في أنفاسها.
في البداية، كان مجرد حديث متقطع عبر الرسائل.
كلمات صغيرة، مزاح، صور، تعبيرات بسيطة تزرع الدفء…
لكن شيئًا ما بداخله بدأ يتفاعل، ينمو، يزرع تعلقًا لم يكن لها خبرة به.
صارت تنتظر كل رسالة وكأنها حياة أو موت.
كل تأخير كان يسبب قلقًا متزايدًا، كأن قلبها لا يستطيع احتمال أي غياب ولو لدقيقة واحدة.
وكل رد كان يزرع الأمل مرة أخرى، وهمًا مؤقتًا.
تعلّقت ليس بشخص، بل بظل، بشعور، بفكرة،
وحتى قبل أن يعرف قلبها أنه متعلق، أصبح مقيّدًا، عاجزًا عن التحرر.
ثم جاء اليوم الذي توقف فيه كل شيء.
لم يحذف الحساب، لم يعتذر، لم يترك رسالة وداع…
فقط اختفى، كأن الهواء الذي تتنفسه أصبح فجأة فراغًا قاتلًا.
الغياب بلا سبب كان أقسى من أي رحيل متوقع.
القلب الذي صدّق أصبح مريضًا، يحاول فهم ما لا يُفهم،
يصرخ في الصمت، يئن في الفراغ، يختنق بلا خروج.
جلست سلمى لساعات، تحدّق في الهاتف، تتصفح الرسائل القديمة وكأنها تحاول أن تستعيد الظل الذي فقدته.
كل كلمة كانت تحمل معنى أكبر من حجمها، كل مزحة كانت خريطة للوجود الذي اختفى، كل لحظة كانت جزءًا من قلبها الذي صار يعتمد عليه.
ولم يكن هناك أحد لتفسير ما حدث.
لا أحد ليقول: «لقد فعلت هذا» أو «هذا ليس خطأك»…
كل شيء انتهى بلا سبب، بلا تفسير، بلا أثر.
وفي اليوم التالي، بدأ الجسد في الرد.
دوار، ضيق صدر، رعشة في اليدين، ضعف عام…
أعراض قلب محطم، جسد يؤلم وكأن الخسارة أصبحت حقيقة ملموسة.
التعلق لم يكن بشخص، بل بفكرة، بشعور، بظل…
والظل أحيانًا يقتل أكثر من الواقع.
الأكثر وحشية أن الفقد بلا سبب يمنع الغضب.
لا أحد يُلام، لا أحد يُعاتب،
ولا فرصة للشكوى، ولا لصراخ العدالة.
الألم صامت، مستمر، يزرع وحشة في الداخل،
ويترك القلب معلّقًا، يتوقع شيئًا لن يأتي أبدًا،
يتذكر ظلًا لم يكن له وجود مادي، لكنه كان ملكًا للروح.
مرت الأيام، وسلمى تحاول أن تخرج، أن تتنفس، أن تعيش…
لكن كل شيء أصبح ثقيلًا.
الهواء نفسه كان يثقل صدرها،
السماء فوقها كانت فارغة،
الناس حولها كانوا أحياء، لكن قلبها كان ميتًا.
في كل صباح، تستيقظ على ألم جديد:
غياب لم يرحل، شعور لم يمت، تعلق لم يُسمح له بالتحقق…
كل رسالة لم تصل، كل لحظة لم تحدث، كل حلم لم يُبنَ، أصبح وشمًا على قلبها لا يزول.
الجسد يتألم، العقل يحاول تفسير ما لا تفسير له،
والروح تسأل عن شيء لم يكن موجودًا أصلًا…
عن ظل لم يظهر إلا ليترك فجوة لا تلتئم.
المأساة الحقيقية ليست فقط في الفقد،
بل في أن قلبًا صدّق…
صدّق أنه يمكن الاعتماد على شيء لم يكن موجودًا.
صدّق أن التعلق لم يكن خيالًا،
وأن الفراغ سيكون شيئًا يمكن تحمله…
وعندما ينهار كل شيء، لا توجد كلمات، لا عتاب، لا رحمة.
تعلّقها بالظل صار عبئًا يوميًا.
حتى الأشياء الصغيرة أصبحت مستحيلة:
أن تبتسم، أن تنام، أن تفكر في أي شيء آخر…
الماضي أصبح حاضرًا دائمًا،
الخيال أصبح واقعًا،
والقلق أصبح جزءًا من الجسد.
الجسد يتآمر مع القلب، والألم النفسي يصبح جسديًا.
الألم يشبه جلطة، لكن لا يوجد سبب عضوي.
الأعراض حقيقية، لكن لا أحد يمكنه رؤيتها إلا في الصمت الذي تزرعه داخلها.
كل نبضة قلب هي تذكير بما فقدت، كل شهيق وزفير هو صدى الفراغ.
خرجت إلى الشارع، بين الناس، تتظاهر بالحياة…
لكن قلبها بقي أسيرًا، في زنزانة من الفراغ،
يتذكر التعلق الذي لم يُمنح،
الظل الذي اختفى،
والفقد الذي لم يحدث، لكنه ترك جروحًا أعمق من أي فقد حقيقي.
في النهاية، بعض الأشياء تُفقد قبل أن تلمسها.
بعض الظلال تتركك محطمًا،
بعض التعلقات تمنحك الحياة لتأخذك بسرعة،
وترحل بلا سبب، بلا عودة، بلا وداع.
ولا أحد يمكنه إصلاح القلب…
ولا أحد يمكنه ملء الفراغ…
ولا أحد يستطيع تفسير الألم الذي لم يكن له سبب.





