صوت غريب يـكشف سر ترتيلة الروح
قلم/وائل عبد السيد
المشهد الثالث: عبور الآفاق.. لقاء الغريب
المكان: حديقة عامة مهجورة في أطراف المدينة، حيث تتشابك الأشجار القديمة.
الجو: ضبابي، مع صوت حفيف الأشجار الذي يشبه الهمس.
لم يعد “زيد” يخشى الطريق؛ فخطواته أصبحت تُقاد بإحساس داخلي غريب. جلس على مقعد خشبي قديم، مغمض العينين كالعادة، لكنه كان “يشعر” بكل ورقة شجر تسقط حوله.“الترتيلة التي تسمعها ليست صدىً لمرضك، بل هي لغة الحقيقة التي حجبها الضوء عنك.”
جفل زيد. لم يسمع وقع أقدام، ولم يشعر بحركة هواء تدل على اقتراب أحد. كان الصوت هادئاً، عميقاً، كأنه ينبع من الأرض نفسها. التفت نحو مصدر الصوت بجسده كله.
“من أنت؟ وكيف عرفت بشأن الترتيلة؟” سأل زيد بصوت متهدج.
شعر بظل يجلس بجانبه، وانبعثت رائحة غريبة.. رائحة تشبه الورق القديم والبخور والتراب بعد المطر. قال الغريب: “أنا مجرد عابر، مثلك تماماً، ضللت الطريق في النور حتى وجدتُ سبيلي في العتمة. تسميها (الذات المحجوبة)، أليس كذلك؟ هي تلك النسخة منك التي لم تتلوث بالمظاهر، التي لا تهتم بجمال وجهك أو لمعان لوحاتك.”
مدّ الغريب يده (أو هكذا خيّل لزيد) ولمس جبهته بلمسة باردة ومريحة. “آفاق الإبصار يا زيد هي سجن العين. العين ترى القشور، أما الترتيلة فهي اهتزاز الروح. أنت الآن لا ترى الأشجار، أنت تشعر بحياتها. أنت لا ترى الناس، أنت تسمع صدق أرواحهم. هذه ليست لعنة، بل هي (العبور الكبير).”
سأل زيد بحيرة: “ولكن لماذا أنا؟ ولماذا الآن؟”
ضحك الغريب ضحكة خفيفة كأنها نغمة موسيقية: “لأنك كنت ترسم العالم كما تراه، والآن عليك أن ترسمه كما هو. الترتيلة ستكتمل عندما تتوقف عن مقاومة الظلام، وتبدأ في استخدامه كلوحة بيضاء.”
وعندما حاول زيد أن يمسك بيد الغريب ليسأله المزيد، لم يجد أحداً. لم يكن هناك أثر لأقدام على العشب، ولا صوت لرحيل أحد. فقط صوت الريح وهي تعزف نفس النغمة التي كانت تدور في رأسه.. نغمة “الذات المحجوبة”.






