
بقلم / أحمد درويش العربى
من ديوانى الثانى كن أنت
صَرَختُ بنفسيَ المسجونةَ صمتًا
لِأني إنْ أُفَصِّحْها أُدانِ
وأبكيتُ العيونَ بغيرِ دمعٍ
مَخافةَ أنْ يُفشي الدمعُ شاني
كَتمتُ الحزنَ في صدري عميقًا
كأنّي غارقٌ في اليأسِ عانِ
وخبَّأتُ العذابَ وراءَ وجهٍ
تجمَّلَ بالثباتِ وبالتحاني
أُواسي مَن يُواسي في جراحي
وأزرعُ في فؤادي جُرحَ ثانِ
كأنّي من شقاءِ الدهرِ خُلقتُ
وما ذقتُ الهنا في طولِ زماني
فمَن ذا قد سَمعْ أنينَ صَمتٍ
يُجيبُ الروحَ إنْ نادتْ حناني؟
تكسَّرَ صوتُ وجداني ولكنْ
تماسَك ما استطاعَ بلا توانِ
أنا الطفلُ الذي كبرتْ همومي
وشيخُ البوحِ في عمرِ الشبانِ
سجنتُ شعوريَ الخفّاقَ قسرًا
لأنَّ البوحَ مفتاحُ الهوانِ
وكم ضحكتْ شِفاهي للورى
وفي الأعماقِ تنهشني أحزاني
إذا ناديتُ قلبًا ماتَ قلبي
وما أجبتْ سوى وَهْمِ الأماني
فيا وجعًا سكنْتَ الروحَ دومًا
كأنّك في دمي نَفَسُ الزمانِ
تمرُّ الليـلُ والنَّجوى قيودٌ
وفي عينيّ برقٌ من جنانِ
عجبتُ لِمَن يرى الآهاتِ نارًا
ويحرقُ بالبكاءِ يدَ الحنانِ
أخبِّئُ كلَّ أحلامي بألمٍ
كأنّ الحُلمَ يُولدُ في ثوانِ
وأسكبُ صمتيَ المبحوحَ حرفًا
يُراودُ في المدى قلبَ الأغاني
فإن سألوا: “بماذا كنتَ تبكي؟”
أقولُ: “الدمعُ شوقٌ للأمانِ
وإن قالوا: “تئنّ!” فقلْ: “سكوتٌ
بهِ كلُّ الحروفِ بلا لسانِ
فصبري زاديَ المجروحُ دومًا
وآمالي قناديلُ المكانِ





