الأسبوع العربيمصرمقالاتمنوعات

مصر داخل ،، مبنى الزجاج ،، بالامم المتحدة

مصر داخل ،، مبنى الزجاج ،، بالامم المتحدة

كتبت / نعمة حسن

​الكفاءة كقوة عظمى: كيف أعادت مصر رسم خرائط النفوذ داخل “مبنى الزجاج” بالأمم المتحدة؟

​ليس الصعود السياسي صدفةً تاريخية، بل هو هندسة دقيقة لتقاطع القوة الناعمة مع الكفاءة التكنوقراطية. في وقتٍ ينشغل فيه العالم برصد ناطحات السحاب وشبكات الطرق، كانت الدولة المصرية تمارس نوعاً أعقد من “التشييد”؛ تشييد الجسور البشرية نحو سدة القرار العالمي. إن جلوس أربعة عقول مصرية على قمة هرم المنظومة الأممية في آنٍ واحد ليس مجرد بروتوكول عابر، بل هو إعلان عن “الجمهورية الجديدة” التي لا تُصدر فقط الغاز والطاقة، بل تُصدر الرؤية والإدارة الدولية.
​سيمفونية التأثير: أربعة أضلاع لمربع السيادة
​حين تضع الأمم المتحدة ثقتها في الكوادر المصرية، فهي لا تمنح مكافأة لشخصيات، بل تعترف بجدارة “المدرسة المصرية” في إدارة الملفات الوجودية للقرن الحادي والعشرين.
​أولاً: رانيا المشاط.. هندسة الاستقرار الإقليمي (ESCWA):
باعتماد تعيينها أميناً تنفيذياً لـ “الإسكوا” في أبريل ٢٠٢٦، لم تكن الخطوة مجرد تعيين وظيفي، بل كانت تفويضاً لعقلية مصرية قادت بنجاح ملفات التعاون الدولي لسنوات، لتقوم الآن بصياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا. هنا، تصبح مصر هي “البوصلة” التي توحد الرؤى التنموية في منطقة تموج بالاضطرابات.
​ثانياً: ياسمين فؤاد.. حارسة الكوكب (UNCCD):
توليها أمانة اتفاقية مكافحة التصحر في مايو ٢٠٢٥، وضع مصر في قلب “دبلوماسية البقاء”. في عالم يصارع الجفاف وشح المياه، تقود ابنة النيل المعركة العالمية لاستعادة الأراضي، محولةً الخبرة المصرية من “معاناة محلية” مع التصحر إلى “روشتة دولية” للإنقاذ.
​ثالثاً: محمود محيي الدين.. فيلسوف التمويل (Agenda 2030):
منذ عام ٢٠٢٠، يظل الدكتور محيي الدين هو “المهندس” الذي يحاول إصلاح الهيكل المالي العالمي. وجوده كمبعوث خاص لتمويل التنمية المستدامة يعني أن صوت الدول النامية يخرج بنبرة مصرية واثقة، ترفض أنصاف الحلول وتطالب بعدالة التمويل في مواجهة غطرسة الديون.
​رابعاً: خالد العناني.. استعادة الذاكرة الإنسانية (UNESCO):
بوصول الدكتور خالد العناني إلى قيادة اليونسكو، استردت الحضارة المصرية حقها الطبيعي في حماية الوعي البشري. إنها اللحظة التي تلتقي فيها عظمة الماضي (الآثار) بعبقرية الحاضر (الإدارة)، ليكون “المدير العام” سفيراً فوق العادة لأمة علمت العالم القراءة والكتابة، والآن تعلمه كيف يحفظ تراثه.
​ما وراء الأرقام: فلسفة “الدولة المؤسسية”
​إن اجتماع هؤلاء الأربعة في توقيت متزامن يبعث برسالة مشفرة إلى المجتمع الدولي: مصر لا تضج، بل تنجز. هذا الحضور الكثيف في ملفات (الاقتصاد، البيئة، التمويل، والثقافة) يعكس شمولية الرؤية المصرية. نحن أمام دولة لم تعد تكتفي بـ “رد الفعل” الدبلوماسي، بل انتقلت إلى “صناعة الفعل” الأممي.
​الدلالة الوطنية الأعمق:
إن “الخرسانة” التي شيدتها الدولة في المدن الجديدة كانت هي القاعدة الصلبة التي وقف عليها هؤلاء الكوادر؛ فالدولة التي تستطيع إبهار العالم بمدنها في الداخل، هي ذاتها التي تقنع العالم بعقولها في الخارج. إنها “القوة الشاملة” التي تدمج بين القوة الصلبة (البناء والجيش) والقوة الناعمة (العلم والإدارة).
​ختاماً: مكانةٌ تُنتزع ولا تُمنح
مصر اليوم لا تصعد بالحجر وحده، بل تقتحم المستقبل بجيل من التكنوقراط الدوليين الذين أثبتوا أن “الارتقاء” هو قدر هذه الأمة. عندما يكتب التاريخ عن هذه المرحلة، سيتوقف طويلاً أمام حقيقة واحدة: في زمن التكتلات الكبرى، كانت مصر هي الدولة التي استطاعت أن تزرع أبناءها في قلب القرار العالمي، ليس كضيوف، بل كقادة وصنّاع لمستقبل البشرية.
​حفظ الله مصر.. منارة العقل، وقلب العالم، ومصنع القادة.
​مع تحياتي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى