أخبار الأسبوعالأسبوع العربيمقالات

الدول التي تتساهل في أمنها تحت ضغط الإنسانية .. أول من يدفع ثمن التفكك

الدول التي تتساهل في أمنها تحت ضغط الإنسانية .. أول من يدفع ثمن التفكك

كتب .. حماده مبارك

في عالم تتشابك فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية، تبرز قضية اللاجئين كواحدة من أعقد التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات، فبين واجب إنساني لا يمكن إنكاره، وضرورة أمنية لا يجوز التفريط فيها، تقف الدول أمام معادلة دقيقة، قد يؤدي اختلالها إلى نتائج خطيرة تصل إلى حد التفكك الداخلي.

لا شك أن استقبال اللاجئين يعكس قيم الرحمة والتضامن الإنساني، وهو واجب أخلاقي تدعو إليه الأديان والقوانين الدولية ، غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الواجب إلى حالة من التراخي أو العشوائية في إدارة الملف، دون ضوابط واضحة أو خطط استيعاب مدروسة، فالدولة التي تفتح أبوابها بلا حساب، قد تجد نفسها بعد سنوات قليلة أمام تحديات تفوق قدراتها.

والتجارب الدولية أثبتت أن الضغط المتزايد على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والإسكان، يؤدي إلى توترات اجتماعية، خاصة إذا شعر المواطن بأن حقوقه أصبحت مهددة أو أن الدولة باتت عاجزة عن تلبية احتياجاته ، ومع تزايد معدلات البطالة والمنافسة على الموارد، تتصاعد مشاعر الاحتقان، وقد تتحول إلى صراعات داخلية تهدد الاستقرار.

فالأمر لا يتوقف عند الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد الأمني ، فغياب الرقابة الصارمة على الحدود أو عدم التدقيق الكافي في الوافدين، قد يفتح الباب أمام عناصر متطرفة أو شبكات إجرامية تستغل حالة الفوضى ، وهنا تتحول الأزمة الإنسانية إلى تهديد مباشر للأمن القومي، وهو ما شهدته بعض الدول التي دفعت ثمنا باهظا نتيجة سوء إدارة هذا الملف.

لكن في المقابل، لا يمكن تبني خطاب متشدد يرفض اللاجئين بشكل مطلق، لأن ذلك يتنافى مع القيم الإنسانية، كما أنه لا يقدم حلاً حقيقيا للأزمة العالمية.

فالمطلوب هو تحقيق التوازن ، (إنسانية مسؤولة، لا عاطفة منفلتة، وأمن يقظ، لا قسوة مفرطة).

والدولة القوية هي التي تضع سياسات واضحة لاستقبال اللاجئين، تقوم على التنظيم والتدرج، وتضمن توزيع الأعباء بشكل عادل، مع الحفاظ على حقوق مواطنيها أولاً ، كما أن التعاون الدولي يظل ضرورة ملحة، لأن تحميل دول بعينها عبء اللاجئين دون دعم حقيقي، يفاقم الأزمة ولا يحلها.

واخيرا فإن التساهل غير المدروس في قضايا الأمن، حتى لو كان بدافع إنساني، قد يتحول إلى ثغرة خطيرة تهدد كيان الدولة، والنجاح الحقيقي يكمن في القدرة على الجمع بين الرحمة والحزم، وبين الواجب الأخلاقي والمسؤولية الوطنية ، فالدول لا تبنى بالعواطف وحدها، بل بالسياسات الرشيدة التي تحمي الإنسان والمجتمع والدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى