
خلف الهدوء
بقلم الكاتبة نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
تتأملُ في تقاسيم وجهها المرتسم على روق الصور، فتجدُ سكوناً عجيباً يلفُّ كلَّ زاويةٍ فيه، كأنما خُلقت ملامحها من نسيجِ الطمأنينة وضوء الفجر. هي ملامحٌ لا تشوبها شائبة، هادئةٌ حدَّ الذهول، وكأنها بحيرةٌ راكدة في ليلةٍ بلا رياح، تعكسُ جمالاً فطرياً نقيّاً لم تلمسهُ يدُ الكدَر، ولم تخدشهُ عوادي الزمن الظاهرة.
إنَّ الناظر إلى تلك الصور يرى وجهاً يفيضُ عذوبة، وعينينِ تلمعانِ بصفاءٍ يغري بالثقة، وبشرةً تحكي قصة النقاء في أسمى تجلياته. لا تجاعيد للقلق ترتسم على جبينها، ولا خطوط للحزن تنالُ من ثغرها الباسم بوقار. تبدو وكأنها أيقونةٌ للسلام الداخلي، ورمزٌ للجمال الذي لم يختبر لوعة الانكسار قط.
لكنَّ الحقيقة تكمنُ خلف الستار، في تلك الأعماق السحيقة التي لا تطالها عدسات الكاميرا..
فخلف ذلك الهدوء الرخاميّ، وفي مكمن الروح بعيداً عن الأعين، يربضُ قلبٌ مثخنٌ بالجراح. هناك، في الزوايا المظلمة من وجدانها، استقرت ندباتٌ غائرةٌ لم تجد طريقاً لسطح جلدها، بل اختارت أن تحفر أخاديدها في لحم الشعور. كلُّ خيبةٍ مرّت بها، وكلُّ انكسارٍ لم يسمع له العالم صوتاً، ترك أثراً لا يُمحى في سويداء قلبها.
إنها تلك المفارقة الموجعة؛ أن يرى الناسُ الربيعَ مزهراً في وجهها، بينما يعيشُ الخريفُ بكل شحوبه وذبول أوراقه داخل صدرها. ملامحها في الصور هي “الواجهة” الجميلة التي تقدمها للعالم، أما ندباتها فهي “الحكاية” الحقيقية التي لا يقرؤها إلا من أوتي بصيرةً تنفذُ إلى ما وراء الشكل. هي تحملُ صليب آلامها بصمتٍ مقدس، تبتسمُ للضوء لكي لا يرى الآخرون ظلالها، وتتجملُ بالنقاء لتواري خلفه غبار المعارك النفسية التي خاضتها وحيدة.
إنها في الصور هادئة، جميلة، ونقيّة.. لكنها في الواقع كيانٌ يرمم نفسه كل يوم، وقلبٌ يضمُّ ندباته كأسرارٍ غالية، محولاً كل ألمٍ داخليّ إلى فيضٍ من الرقة يظهر على ملامحها، وكأن حزنها الباطني قد تقطّر ليصبح جمالاً ظاهرياً يبهر الناظرين.





