بين سطوة الاحتياج وترف القيم: حينما تحكم “المعدة” مسار الأخلاق
بقلم : باهر رجب
في فلسفة الحياة اليومية، وفي عمق الحواري والمدن، تتردد مقولة تختزل صراعا إنسانيا أزليا: “الجعان حساباته مصالح، و الشبعان حساباته مبادئ”. هذه ليست مجرد جملة عابرة، بل هي توصيف دقيق لحالة “الوعي الاجتماعي” المرتبط بالقدرة المادية، وفصل حاد بين عالمين: عالم يسعى للبقاء، وعالم يملك رفاهية التنظير.

عالم الجوع: حين يصبح البقاء هو المبدأ الوحيد
عندما نتحدث عن “الجعان”، فنحن لا نقصد فقط خلو المعدة من الطعام، بل نقصد “حالة الفقر” بشتى صورها. الإنسان الذي يطارده شبح الحاجة، تصبح بوصلته موجهة نحو “المصلحة” لا بدافع الخسة، بل بدافع الضرورة.
في هذا العالم، تسقط التفرعات الفلسفية المعقدة. لا يملك المرء ترف السؤال عما إذا كان هذا الفعل يتفق مع “المثالية” أم لا، بل يسأل: “هل يسد هذا الفعل رمقي؟”. هنا، تتحول المصلحة إلى آلية دفاع غريزية. الحسابات هنا رقمية، مادية، ولحظية. لأن من يعيش تحت ضغط الحاجة لا يملك رفاهية التخطيط للمستقبل البعيد أو التمسك بمواقف قد تكلفه ما تبقى له من سبل العيش.
“الخبز للفقير ليس مجرد طعام، إنه الكرامة التي يتنازل عنها أحياناً ليحفظ بقاءه.”>
عالم الشبع: حيث تنمو المبادئ في ظل الأمان
على الضفة الأخرى، نجد “الشبعان”. ليس بالضرورة أن يكون فاحش الثراء، ولكنه الشخص الذي تجاوز منطقة “الخطر المعيشي”. هذا الإنسان يملك ما يسميه علماء النفس “فائض الوعي”. وبما أن احتياجاته الأساسية مؤمنة، فإنه يبدأ في بناء جدار من المبادئ والقيم.
الشبعان يملك القدرة على أن يقول “لا” لصفقة مشبوهة، ليس لأنه بالضرورة أكثر طهارة من غيره، بل لأن “لا” لن تحرمه من وجبته القادمة. المبادئ هنا تصبح نوعاً من الهوية الاجتماعية والاستعلاء القيمي. هو يرى العالم من خلال عدسة “ما ينبغي أن يكون”، لأنه لا يعاني من وطأة “ما هو كائن” بالفعل.
جدلية العلاقة: هل الأخلاق ترف؟
يثير هذا الطرح سؤالا أخلاقيا شائكا: هل المبادئ حكر على الأغنياء؟ وهل المصلحة قدر الفقراء؟
الحقيقة أن المبادئ في حالة الشبع تكون “سهلة”، بينما في حالة الجوع تكون “اختبارا قاسيا”.
من السهل جداً أن تتحدث عن الأمانة وأنت تملك رصيدا في البنك، لكن التحدي الحقيقي هو أن تظل أمينا وأنت لا تملك ثمن الدواء لطفلك. هنا يكمن الفارق. فالمبادئ لدى الشبعان قد تكون أحياناً “ديكورا فكريا”، بينما هي لدى الجائع (إذا تمسك بها) “بطولة تراجيدية”.
الخلاصة: نحو رؤية أكثر إنصافا
إن المجتمع الذي يلوم “الجائع” على اتباع مصلحته دون أن يوفر له حد الكفاف، هو مجتمع يمارس ازدواجية أخلاقية. المبادئ لا تزدهر في بيئة يسكنها الخوف والقلق، بل تزدهر في بيئة تشعر الإنسان بآدميته.
المصلحة والمبدأ ليسا ضدين بالضرورة، لكنهما يتبادلان الأدوار حسب موقع الإنسان من “مائدة الحياة”. فالشبع يوفر الأرضية الخصبة لنمو المبادئ، والجوع يضع تلك المبادئ في محرقة الواقع. وفي النهاية، يبقى الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه – بوعيه – أن يجعل مصلحته في مبدئه، أو يجعل مبدأه هو الدفاع عن مصالح المظلومين.





