أخبار

الرضا بالقدر

الرضا بالقدر

الرضا بالقدر (قصة قصيرة)
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​في أزقة حيٍّ عتيق، حيث تتشابك خيوط الشمس مع غبار السنين، كانت تعيش ليلى؛ امرأةٌ في ربيعها الخامس والثلاثين، لكن ناظريها كانا يحكيان فصولاً من شتاءٍ طويل. وجهها كان مرآةً لصراعٍ صامت مع ضيق ذات اليد، وعيناها كانتا تبحثان دوماً عن إجابة لسؤالٍ يسكن الروح: “متى يحين أوان قطاف الفرح؟”. ارتبطت ليلى منذ عشرة أعوام بـ ياسين، ذلك الرجل المكافح الذي يعمل بجدٍّ وكدٍّ في ورشة للحدادة، وبالرغم من صلابة جسده وقوة بأسه، إلا أنه كان يمتلك قلباً يفيض حناناً، ورغم ذلك الكدح، ظلت الحياة تعاندهما، وتغلق في وجهيهما أبواب الوفرة.
​في صباحٍ تملؤه السكينة، استيقظت ليلى على وقع رنين ساعتها الرتيب. اتجهت نحو المرآة، ووقفت تتأمل ملامحها التي غزاها الشحوب. تنهدت بعمقٍ هزّ كيانها، وهمست لنفسها بصوتٍ يملؤه الشجن: “إلى متى هذا العناء؟ لماذا يبدو الدرب مسدوداً كلما خطوتُ خطوةً نحو الأمام؟” ثم رفعت بصرها للسماء وقالت: “وأسأل نفسي.. لماذا يا ليلى؟ لماذا كلما حاولتِ تشييد صرحٍ للأمل، تهاوت أركانه أمام رياح الواقع المرير
​أعدت ليلى طعام الإفطار لياسين، وتبادلا كلماتٍ هادئة تحمل في طياتها الكثير من الودّ والقليل من الرجاء، قبل أن يمضي هو لعمله الشاق. ومع رحيله، بدأت ليلى تدير شؤون بيتها الصغير، وعقلها لا يكفُّ عن غزل الأحلام. كانت تحلم بمشروعٍ صغير يقيها ذل الحاجة ويساعد ياسين في حمل أعباء الحياة الثقيلة. قالت في صدرها بإصرار “يجب أن أجد مخرجاً، يجب أن أصنع من عجزي قوةً، ومن يأسي أملاً.”
​استحضرت ليلى في ذاكرتها صورة صديقتها المقربة مريم، التي استطاعت بذكائها وصبرها أن تؤسس متجراً إلكترونياً لبيع المنسوجات اليدوية، حتى ذاع صيتها ونجح مشروعها. لم تتردد ليلى، فالتقطت هاتفها واتصلت بمريم وقالت بصوتٍ متهدج
​ليلى”يا مريم، ضاقت بي السبل، وأنتِ خير من أستشيره. أتوق لتغيير هذا الواقع، فهل لي من نصيحة تفتح لي آفاقاً جديدة؟”
​مريم: “أهلاً بكِ يا ليلى، لا تيأسي يا حبيبتي، فالفجر لا يسطع إلا بعد ظلامٍ دامس. تعالي إليّ غداً، وسنضع معاً أولى لبنات مستقبلكِ.”
​في اليوم التالي، التقت الصديقتان، وقالت مريم بلهجةٍ مشجعة: “يا ليلى، النجاح يبدأ برؤية واضحة وإرادة صلبة. ابدئي بما تحبين، فالسوق يتسع لكل صاحب مهارة.” أجابت ليلى وعيناها تلمعان “أنا أجد نفسي في المطبخ، وصنع الحلويات هو شغفي الذي أتقنه.” فأشارت عليها مريم بأن تبدأ بصنع أصنافٍ مميزة من الحلويات المنزلية وتوزيعها على سكان الحي.
​عادت ليلى والبهجة تملأ كيانها، وبدأت تخطط وتنفذ. خبزت أصنافاً من الحلوى التي تفوح منها رائحة الوفاء، وطقت أبواب الجيران بتوجسٍ سرعان ما تبدد أمام كلمات الاستحسان والتشجيع. زاد الإقبال على حلوياتها، وبدأت ليلى تشعر بطعم النجاح لأول مرة في حياتها.
​ولكن، وكأن القدر أراد اختبار ثباتها، وقعت الكارثة. فبينما كانت تعمل بجد، تعرض فرنها القديم لعطلٍ مفاجئ أدى لاحتراقه وتوقفه عن العمل تماماً. وقع الخبر كالصاعقة على قلب ليلى، وجلست في مطبخها المظلم تنظر إلى فرنها المحطم، وهمست بدموعٍ منكسرة: “لماذا يا رب؟ لماذا تنهار أحلامي في اللحظة التي بدأتُ فيها أرى النور؟”
​دخل ياسين المنزل، ورأى زوجته في تلك الحالة من الذهول. لم يتكلم كثيراً، بل جلس بجانبها وأمسك بيديها بحنو وقال: “لا تحزني يا ليلى، فالرزق عند الله وحده. إن انكسر هذا الفرن، فإيماننا بالله لم ينكسر. سأعمل ليل نهار لأصلحه لكِ، أو لنبتاع واحداً جديداً يليق بصبركِ.”
​بثت كلمات ياسين الدفء في روحها، واتصلت بمريم التي أثبتت مرة أخرى نبل معدنها، حيث قالت: “يا ليلى، لا تدعي هذا الحادث يحطم طموحكِ. عندي فرنٌ إضافي في منزلي، خذيه واستخدميه حتى تستعيدي قوتكِ.”
​بفيضٍ من الامتنان، استأنفت ليلى عملها بحماسٍ لم تعرفه من قبل. كبر مشروعها، وخرج من نطاق الحي الصغير إلى آفاق أرحب، وبدأت تجني ثمار تعبها. وبعد فترة وجيزة، اشترت ليلى فرناً حديثاً وبدأت تدير مشروعاً كبيراً لإنتاج الحلويات. وقفت ليلى في مطبخها الجديد، ونظرت إلى الأفق بابتسامةٍ واثقة وقالت: “أخيراً يا ليلى، استجاب القدر لدعواتكِ وصبركِ.”
​انتهت فصول المعاناة، لكن رحلة ليلى مع الطموح ظلت مستمرة. تعلمت أن السؤال “لماذا” ليس للاعتراض على القدر، بل هو مفتاحٌ للبحث عن سبل التغيير. وظلت قصتها ملهمة لكل من يظن أن الأبواب قد أُغلقت، فبالإرادة والإصرار، تصبح المستحيلات ممكنة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى