
مرآة الحقيقة
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
في هذا العصر المتخم بالضجيج، حيث تداخلت الخيوط وانمحت الحدود الفاصلة بين النور والعتمة، لم يعد الشيطان ذلك الكائن الأسطوري الذي يختبئ في دهاليز الحكايات الغابرة، أو يهمس بالخطيئة في زوايا الظلام الدامس. لقد خلع الشيطان عباءته القديمة، واستبدلها بأثواب منمقة تُباع في أسواق الاستهلاك، وصار فكرةً مهندمةً يُحتفى بها في المحافل، وصوتاً جهوراً تصفق له الأكف في وضح النهار. إنه لم يعد يوسوس من الخارج، بل تلبّس الوجوه، وامتطى عرش الإدراك البشري، فغدونا نرى العالم بعينيه، وغرقنا في لُجّة من الأنانية المفرطة التي ألبسناها قسراً ثوب “حب الذات” و “تقدير الكيان”، وهي في حقيقتها ليست إلا تقديساً للأنا على حساب الروح.
لقد استعمرت المصلحة العقول، فباتت هي الميزان الوحيد الذي توزن به الأفعال والقيم. لم يعد للسؤال عن “ما هو حق؟” صدىً في الأروقة، بل ارتفع صياح السؤال عن “ما هو نافع؟”. وفي هذا المشهد السريالي، صار كل من يختار درباً مغايراً، أو يرفض الانصياع لإيقاع الجماعة المهرولة نحو الفراغ، غريباً منبوذاً، بل وعدواً يُشار إليه بالبنان بتهمة “الخروج عن القطيع”. لقد انقلبت المفاهيم رأساً على عقب؛ فأصبح الصبر الطويل يُفسَّر على أنه وهنٌ وقلة حيلة، وصارت المثالية والتمسك بالقيم سذاجةً تستوجب الشفقة، بينما ارتقت الخديعة لتصبح “براعة”، وتغبيش الحقائق وتزييف الوعي نوعاً من “الذكاء المجتمعي” الذي يُدرس في فنون البقاء.
تأمل هذه الوجوه التي تعبر من حولك؛ إنهم يرتدون أقنعة من الطيبة المصطنعة، ويرسمون على ثغورهم ابتساماتٍ رقيقةً كالحرير، لكنك لو نفذت ببصرك خلف بريق أعينهم، لوجدت احتقاراً دفيناً لكل من لا يشبههم، ولكل من لا يتبنى أيديولوجيتهم الضيقة. هناك، في الغرف المظلمة لصدورهم، ثمة أحجار تُعدُّ لتُرمى على كل قلبٍ طاهرٍ لا يلهث خلف المكاسب الشخصية، ولا يبيع مبادئه في مزاد اليومي والعابر.
أقف أنا الآن، من زاويتي الضيقة التي اتخذتها معتكفاً، ومن قوقعتي التي اخترتها لا رغبةً في الانزواء ضعفاً، بل رغبةً في النجاة بفتات ما تبقى من إنسانيتي. أراقب بتمهلٍ مشهد تشويه المعاني، وكيف تُسحل الكلمات من دلالاتها السامية لتصبح أدواتٍ في يد القوة. أرى كيف تحول “الآخر” في الوعي الجمعي من شريك في الوجود إلى تهديدٍ وجودي، وكيف اضمحلت فكرة “المصلحة العامة” لتصبح وهماً لا يؤمن به إلا الحالمون والمجانين.
إن الخصومة في هذا الزمن العجيب لم تعد تقوم على دفع ظلمٍ أو استرداد حق، بل باتت تقوم على مجرد الاختلاف في الرؤية. والعداوة لا تحتاج إلى مبررات منطقية أو جنايات حقيقية، بل يكفي أن تلمح في عينيك ومضة ضوء لا تشبه عتمتهم، أو أن تحمل في صدرك سكوناً يزعج ضجيج زيفهم.
لذا، فليكن صمتي هو صلاتي العميقة التي أتقرب بها إلى الحقيقة المطلقة، وليكن اعتزالي لهذا الصخب هو وضوئي الأخير قبل الصلاة في محراب الذات. فأنا، وإن كنت أُصنَّف “انطوائياً” بمقاييسهم، إلا أنني من داخل هذا السكون أرى كل شيء بجلاءٍ يفتقرون إليه. أرى بوضوح أن أخطر شياطين هذا العصر ليس ذلك الذي يهمس في الأذن بالمعاصي التقليدية، بل هو ذلك الوعي الزائف الذي يزرع في الفكر قناعةً مدمرةً مفادها: “أن لا شيء في هذا الكون يستحق التضحية، ولا شيء يستحق العناء… إلا أنا”.





