الأسبوع العربيخاطرةمجلة الأديب العربيمقالاتمنوعات

الصامتون يسحقون المتكلمين

الصامتون يسحقون المتكلمين
بقلم: سهير محمود عيد
من أول سطر، الفعل يهزم الكلام.
الصمت هنا ليس حيادًا، بل صفعة مباشرة لكل من ظن أن الصوت العالي دليل قوة.
حين يصبح الصمت استفزازًا
في زمنٍ يخلط بين الظهور والقيمة، يتحول العمل الصامت إلى أكثر الأفعال استفزازًا. لأن الصامت لا يشرح نفسه، ولا يقدم أوراق اعتماده لأحد. هو يعمل فقط، ينجز، ثم يترك النتيجة واقفة وحدها، بلا تبرير ولا اعتذار.
الصامت يربك المشهد لأنه لا يلعب وفق قواعد الاستعراض. لا يتسابق على العناوين، ولا يستعرض خطواته قبل اكتمالها. يترك الآخرين يتكلمون، بينما هو يبني شيئًا لا يُهدم بسهولة.
الضجيج… محاولة لإخفاء الفراغ
أغلب الضجيج ليس قوة، بل خوف. خوف من أن ينكشف الفراغ إذا توقف الكلام. لهذا يصرخ البعض، يكرر نفسه، ويملأ المساحة بصوتٍ عالٍ ظنًا أن ذلك يصنع حضورًا.
لكن العمل الصامت يفضح هذا الوهم. إنجاز واحد حقيقي قادر على إسكات ألف خطاب. لحظة ظهور النتيجة، يسقط الكلام الزائد، ويتحول إلى عبء على صاحبه.
العمل الصامت كاستراتيجية قوة
العمل الصامت ليس صدفة ولا ضعف شخصية، بل قرار واعٍ. قرار بعدم استهلاك الطاقة في معارك جانبية، وعدم تشتيت التركيز في تبرير المسار. الصامت يعرف أن الطريق أطول، لكنه أصدق، وأن الوصول الهادئ أكثر ثباتًا من صعود صاخب سريع السقوط.
من يعمل بصمت لا يستعجل الاعتراف، لأنه واثق أن الزمن سينحاز للفعل لا للصوت.
لماذا يخاف المتكلمون من الصامتين؟
لأن الصامت لا يمكن استفزازه بسهولة، ولا يمكن جره إلى ساحة الكلام. وجوده وحده يهدد أصحاب الضجيج، لأنه يذكرهم بالحقيقة التي يحاولون الهروب منها: أن الإنجاز لا يحتاج شرحًا.
الصامتون لا ينتصرون بالكلمات، بل بواقع لا يمكن إنكاره. ولهذا هم خطر دائم على كل من بنى مكانته على الكلام وحده.
النتيجة التي لا تحتاج تعليقًا
في النهاية، لا يتذكر الناس من قال أكثر، بل من فعل أكثر. الضجيج يشيخ سريعًا، أما العمل الصامت فيترك أثرًا طويل العمر، يتجاوز اللحظة ويصمد أمام الزمن.
العمل الصامت ليس اختيار الضعفاء، بل سلاح الأقوياء الذين يعرفون أن الفعل حين يكتمل، يُسكت الجميع.

من الكاتبة:

سهير محمود عيد……صوت صادق بين صخب الكلمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى