
سراب البقاء الأبدي
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
إنها جدلية الوجود السامية التي تحكم مصائرنا، تناقضٌ أزليٌ محفورٌ في صميم التجربة البشرية؛ فالمراقب المدقق يرى بوضوح كيف أن المراهنة على الفشل الأكيد قد تُفضي إلى نصرٍ غير متوقع، وكيف أن اليقين المطلق بـالظفر الموعود قد يجرّ صاحبه إلى هاوية الخسارة. هذا هو الإيقاع العجيب الذي تسير عليه قاطرة الحياة؛ نلاحقها بكل ما أوتينا من عزيمة جياشة ولهفة محترقة، فإذا بها تنأى وتتمنع، وتنسل من بين أصابعنا بـجفاءٍ لا يُطاق وبرودٍ مُهين. تبقى أرواحنا تتأرجح بين ضفتي المجهول، لا ندري أبإتجاه مرسى الأمان المستدام سنصل، أم أنَّ الخطوة القادمة ستقودنا إلى حافة سقوط مدوٍ في ظلمة العماء؟
تصوَّر أنك تقف مكاني، تائهٌ في رقعة من الصحراء اللامتناهية، حيث لا شجر يلقي بظلاله ولا قطرة ماء تُروي عطشاً. لقد استنفدت قواك، وأصبح جسدك خائرًا لا يستطيع حمل ثقله. الوحدة لم تعد مجرد شعور عابر، بل تحوّلت إلى كيان ساكن، استبدلت مكانها بـالضلوع الواهنة، وغدت نبضاً إضافياً للقلب. أما الألم، فقد تخطى مرحلة الرفقة العارضة ليصبح جليسًا مقيمًا، يرافق الروح في يقظتها ومنامها، يتلو عليها قصص الفقد والخيبة.
فكرة الأمل في هذا السياق لم تكن سوى محاربة شرسة خاضتها روحٌ ضعيفة؛ كانت أنثى صمدت وقاومت بلا كلل حتى آخر خيط من نور الإيمان بداخلها، تسعى للقضاء على وحش اليأس الذي يتغذى على فتات الأماني. لكن المقاومة طالت، وفي لحظة انكسار كبرى، هوت وسقطت على طريق اللامبالاة، محطمة أشلاء. ومن بين تلك الشظايا المتناثرة، حاول كيانٌ جديد أن ينهض، روح شابة حاولت أن تفرِد أجنحتها الرقيقة لتحتمي من عواصف الدنيا، لكنها لم تجد في السماء سوى النار، فكان قدرها أن تُحرق وتذوي قبل أن تذوق طعم التحليق.
هنا يكمن الفرق الجوهري بين الاستسلام المطلق والمحاولة الأخيرة؛ فليست مسألة الركض مجرد حركة فيزيائية، بل هي انتفاضة وجودية تُعلن الحرب على اللاشيء. إنها مبارزةٌ صامتة مع القدر الذي حاول أن يجرّد الروح من كل معانيها. هذه المواجهة ليست مع الأعداء الظاهرين في الخارج، بل هي صراعٌ أشد قسوة يُدار في خبايا النفس، حيث يخوض القلب معركته المقدسة ضد إغراء التوقف عن النبض وإغواء الانحناء تحت ثقل الحمل.
نحن نقف في وجه كل ما يريدنا أن نذبل، وكل ما يشيخ بنا قبل أواننا. أن نمدّ أيدينا لـسرابٍ خادع هو بحد ذاته فعل تحدٍّ أخرق للواقع؛ إنها محاولة يائسة للإيحاء للذات بأن الموارد لم تنفد بعد، وأن العطش الروحي يمكن أن يُروى حتى لو بالوهم. هذا الإصرار على البقاء هو أعظم أشكال المواجهة، أن تستمر في التنفس بينما كل شيء حولك يطالبك بأن تلفظ الأنفاس الأخيرة. إنها البطولة الوحيدة المتاحة في أرضٍ قاحلة أن تعلن انتماءك للحياة رغم كل الموت الذي يسكنك.
لقد توارى ربيع عُمري، وأبطأ في الوصول، فكانت النتيجة أن تصدَّعت جذوري وانهارت، تلك الجذور التي كانت يومًا سندي الصلب والأرض الخصبة التي أستمد منها الثبات. أيُّ قدرٍ قاسٍ هذا الذي يفرض عليَّ أن أُرمى فريدة ومهملة في أرضٍ قاحلة تُنذر بالجفاف والموات؟ ومع كل هذا الظلم الوجودي، أجدني أتنفس كل يوم بـأنَّة مكتومة، وأبذل ما تبقى من روحي لأجل البقاء والصمود.
لكنّ النصر الحقيقي لا يُولد إلا من رحم هذه الهزيمة المطبقة. الانتصار ليس بالضرورة أن تصل سالماً، بل أن تنجح في تضميد جراح الروح بعد أن مزّقتها المعركة. إنها عودةٌ من السقوط، حيث تُصبح كل ندبة في الجسد أو الروح بمثابة كأسٍ شرفية تُخلّد ذكرى الصمود. الانتصار هو قدرتنا على النهوض بعد أن افترشنا الأرض، وتكمن الفخامة في أن نستخدم حطامنا لبناء درجات نصعد عليها. لقد علمتني الخسارة أن الصبر ليس استسلامًا أو ضعفًا، بل هو يقين مطلق لا تستطيع زلازل الحياة أن تزعزعه.
أرى بعين البصيرة أن خلف هذا الظل القائم، تختبئ جموع لا تُحصى من الآهات المكبوتة، ووجوهٌ فقدت قدرتها على التعبير، تحولت إلى أقنعة صامتة. وبرغم عمق الجراح ونزف الطعنات التي أصابتني في مقتل، أُعلن تمسكي بالحياة في عنادٍ يبلغ حدَّ الجنون المقدس. أمدُّ كفّي بلهفة لأرتوي من معين الوجود، فلا أجد إلا بصيص السراب الذي يوهم بالعطاء ثم يتلاشى. إنها حالة تماهي الوجع، كحال قلبين أحبَّا ثم افترقا، فلا شيء يمزقهما أعظم من مرارة الوحدة القاتلة بعد أن تعوّدا على دفء القرب.
فلتكن حذرًا، وليكن وعيك مستنيرًا، فـليس كل ما يتلألأ يُعدُّ تِبْراً خالصاً. ففي هذا العالم، تسكن أرواحٌ كثيرة عركتها مطاحن الحياة وصهرتها التجارب العسيرة، ففقدت قدرتها على الإهتداء، وأضاعت بوصلتها الروحية. ومع ذلك، تظل هذه الأرواح تجاهد وتصارع، تلهث خلف بصيص من نور لتتمكن من النفاذ والنجاة.
وفي خضم هذه الدوامة العنيفة من الصراع، يظل التساؤل مُعلقاً كـسيف فوق رؤوسنا ماذا لو كانت كل هذه الجهود، وكل هذا “البقاء”، ليس سوى وهمٍ كبير، مجرد سراب يُراوغنا؟ ولكن حتى لو كان سراباً، فإن المواجهة نفسها هي الحقيقة الثابتة، والانتصار الحقيقي يكمن في عدم التوقف عن الركض نحوه.





