
بقلم الكاتب/حسين ابوالمجد حسن
وطنٌ يُذبح منذ ولادته
في صباحٍ من يناير عام 1956، رفع السودان علمه الجديد عاليًا فوق الخرطوم، معلنًا استقلاله عن بريطانيا ومصر.
تهللت الوجوه، وتعانقت الأحلام، وظنّ الناس أن الشمس قد أشرقت على وطنٍ سيبدأ صفحة جديدة من الكرامة والسيادة.
لكن السودان، يا سادة، وُلد وهو يحمل في أحشائه بذرة النار!
منذ اليوم الأول كان هناك شمال عربي مسلم يملك التعليم والسلطة، وجنوب إفريقي مسيحي ووثني مهمّش جائع مغلوب على أمره.
فكيف يعيش وطنٌ بجسدٍ منقسم وروحٍ ممزقة؟
بدأ التمرد قبل أن يجف حبر الاستقلال، لتشتعل أولى الحروب، ويغرق السودان في دماء أبنائه.
نار الجنوب ودم الشمال (1955 – 1972)
سبعة عشر عامًا من الحرب!
قرى محروقة، أجساد بلا قبور، وأطفال لا يعرفون سوى صوت الرصاص.
ثم جاء جعفر النميري، ووقّع اتفاقية أديس أبابا… هدأت البنادق قليلًا، لكن النار ظلت تحت الرماد.
الشريعة والدم (1983 – 2005)
في عام 1983 أعلن النميري تطبيق الشريعة الإسلامية على الجنوب غير المسلم، فانفجرت البلاد من جديد.
قاد جون قرنق حركة التمرد، واشتعلت الحرب الثانية — أفظع وأقسى من الأولى.
ملايين القتلى والنازحين، وسلسلة من الانقلابات حتى جاء عمر البشير ليحكم بالحديد والنار.
اتفاق السلام الكبير… وسقوط الحلم
عام 2005 ظنّ الناس أن الحرب انتهت، حين وُقّعت اتفاقية السلام الشامل.
لكن ما لبثت الأحلام أن تهاوت بسقوط مروحية الزعيم جون قرنق!
ومات معه حلم الوحدة، وبدأ طريق الانفصال الذي انتهى عام 2011 بولادة دولة جنوب السودان.
ذهب الجنوب ومعه 70% من ثروة النفط، وبقي الشمال يتخبط في العجز والفقر والانقسام.
دارفور… الجرح المفتوح
بينما كان العالم يحتفل بالسلام، كانت دارفور تشتعل.
قبائل مسحوقة رفعت السلاح ضد الظلم، فجاء رد البشير قاسيًا…
أطلق ميليشيات الجنجويد بقيادة حميدتي، لتبدأ فصول المأساة: اغتصاب، قتل، حرق، وتشريد.
حتى المحكمة الجنائية الدولية اتهمت البشير بالإبادة الجماعية، لكنه ظل جالسًا على كرسي الحكم حتى لفظه الشعب بثورة عظيمة
الثورة… ثم الخيانة
خرج السودانيون يهتفون: حرية، سلام، وعدالة!
لكن بعد أن سقط البشير، سرق البرهان وحميدتي الثورة، وتحولت أحلام الشباب إلى كوابيس.
مجزرة القيادة العامة كانت الرسالة:
أن من اعتاد الدم لا يعرف لغة الحوار.
الحرب بين الإخوة (2023 – اليوم)
انهار التحالف بين البرهان وحميدتي، وتحول إلى حربٍ مدمرة تبتلع الخرطوم ودارفور.
السودانيون بين مطرقة الجوع وسندان الرصاص.
ملايين نزحوا، آلاف ماتوا، والعالم يكتفي بالمشاهدة.
خلف الكواليس، الإمارات تموّل حميدتي، السعودية تدعم البرهان، روسيا تبحث عن ذهب دارفور، وإثيوبيا تنتظر نصيبها من خراب السودان.
كلهم يلعبون على جراح الوطن، كأن السودان وليمة مقسّمة بين الذئاب.
وطن يتأرجح بين الحياة والموت
اليوم يعيش السودان واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
المدن مهدّمة، الأطفال بلا دواء، والأمهات يدفنّ أبناءهن بأيديهن.
ذلك الوطن الذي كان يُسمّى سلة غذاء إفريقيا، صار يبحث عن كسرة خبز، وعن أمانٍ بسيط.
ومع ذلك، رغم الدم والخذلان، لا يزال هناك أملٌ صغير في قلب كل سوداني.
لأن الشعوب الحية لا تموت… حتى وإن اختنقت بالدم.





