الأسبوع العربي

إيمان الجنود ومعجزة العبور

كتب// د. خالد البليسى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يكن السادس من أكتوبر عام 1973 مجرد تاريخ عسكري في سجل الحروب، بل كان صفحة مضيئة في سجل الإيمان والعقيدة، حيث التقت السماء بالأرض، والتقت إرادة البشر بعون الله ونصره. لقد أثبت الجنود المصريون أن النصر لا يتحقق بالعتاد وحده، بل بالإيمان الصادق الذي يجعل المقاتل ثابت القلب، مطمئن النفس، عازماً على التضحية بروحه في سبيل الله والوطن.

لقد كانت حرب أكتوبر معركة إيمان قبل أن تكون معركة سلاح. فمنذ اللحظة الأولى، أيقن الجنود أن وعد الله حق، وأن من يقاتل في سبيل الله لن يُخذل، مصداقاً لقوله تعالى:
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:7].
فما كان النصر إلا ثمرة من ثمار هذا اليقين، وما كان العبور إلا تجسيداً لوعد الله للمؤمنين.

لقد دخل الجنود ساحة القتال وهم يستحضرون قول الله تعالى:
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:249].
فآمنوا أن قوة الإيمان تغلب كثرة العدو، وأن الاعتماد على الله لا يترك للمستحيل مكاناً.

ولم يكن غريباً أن ترى الجنود على ضفاف القناة يتوضأون قبل المعركة، ويرفعون أكفهم بالدعاء، ويقرؤون سورة الفتح وآيات النصر، مرددين قول الله تعالى:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:9].
فكان يقينهم أن السماء معهم، وأن العون الإلهي يسير بجانبهم في خطاهم.

ولعل أروع ما يروى عن هذه الأيام أن القادة كانوا يذكرون الجنود بحديث النبي ﷺ:
“واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً” [رواه الترمذي].
فأصبح الصبر زادهم، والإيمان درعهم، والتضحية سبيلهم، حتى صاروا مثالاً يُحتذى في الصمود والثبات.

إن معجزة العبور لم تكن عبور خط بارليف فقط، بل عبوراً من الهزيمة إلى النصر، ومن الانكسار إلى العزة، ومن التراجع إلى الثبات. وكان وراء ذلك سر عظيم هو العقيدة الراسخة التي ملأت قلوب الجنود. فقد أدركوا أن الدفاع عن الأرض والعِرض والكرامة جهاد في سبيل الله، وأن الاستشهاد فيه باب إلى الجنة، كما قال النبي ﷺ:
“من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد” [رواه أبو داود].

لقد كان جندي أكتوبر يحمل سلاحه بيمينه، ويحمل المصحف بيساره، فلا تعجب أن تنزل السكينة على قلوبهم، وأن يتحقق وعد الله لهم بالنصر المبين:
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:51].

إن روح أكتوبر لم تكن حدثًا عابرًا، بل درسًا خالدًا لكل الأجيال. فما تحقق في تلك الأيام لم يكن بفضل القوة المادية وحدها، وإنما بالاعتماد على الله أولًا، ثم بالوحدة والإخلاص واليقين. واليوم، نحن في حاجة ماسة إلى أن نستحضر تلك الروح في حياتنا، في أعمالنا، في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، فكما انتصر الجنود بالإيمان والثبات، فإن الأمة لا تنهض إلا إذا تمسكت بقيمها وأخلاقها ودينها.

وقد قال تعالى:
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40].
فالنصر ليس حكرًا على ساحة المعارك، بل هو وعدٌ يتحقق في كل ميادين الحياة لمن تمسك بالإيمان، وأخلص العمل، وصبر وثبت.

فلنجعل من أكتوبر نبراسًا نهتدي به، ولنجعل من إيمان الجنود مدرسة نتعلم منها أن المستحيل ينهزم أمام القلوب العامرة باليقين، وأن الأمم التي تحمل عقيدة راسخة لا تُقهر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى