أبطال صنعوا التاريخأخبارأخبار الرياضةأخبار عالميةأخبار عربيهأخبار محليهالأسبوع العربيالسياسية والعسكرية

قضية الجاسوس كامل أمين ثابت

بقلم :إيمان صلاح

وقد رأت المخابرات الإسرائيلية في كوهين مشروع جاسوس جيد فتم إعداده في البداية لكي يعمل في مصر، ولكن الخطة ما لبثت أن عُدِّلَت، ورأى الموساد أن أنسب مجال لنشاطه التجسسي هو دمشق.

وبدأ الإعداد الدقيق لكي يقوم بدوره الجديد، ولم تكن هناك صعوبة في تدريبه على التكلم باللهجة السورية، لأنه كان يجيد العربية بحكم نشأته في الإسكندرية وكان طالباً في جامعة الملك فاروق وترك الدراسة فيها لاحقاً.رتبت له المخابرات الإسرائيلية قصة ملفقة يبدو بها سورياً مسلماً يحمل اسم كامل أمين ثابت هاجر وعائلته إلى الإسكندرية ثم سافر عمه إلى الأرجنتين عام 1946 حيث لحق به كامل وعائلته عام 1947. وفي عام 1952، توفي والده في الأرجنتين بالسكتة القلبية كما توفيت والدته بعد ستة أشهر وبقي كامل وحده هناك يعمل في تجارة الأقمشة.تم تدريبه على كيفية استخدام أجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكي والكتابة بالحبر السري كما راح يدرس في الوقت نفسه كل أخبار سوريا ويحفظ أسماء رجالها السياسيين والبارزين في عالم الاقتصاد والتجارة. مع تعليمه القرآن وتعاليم الدين الإسلامي. وفي3 فبراير 1961، غادر كوهين إسرائيل إلى زيوريخ، ومنها حجز تذكرة سفر إلى العاصمة التشيلية سانتياغو باسم كامل أمين ثابت، ولكنه تخلف في بوينس ايرس حيث كانت هناك تسهيلات معدة سلفا لكي يدخل الأرجنتين بدون تدقيق في شخصيته الجديدة.وفي الأرجنتين استقبله عميل إسرائيلي يحمل اسم أبراهام حيث نصحه بتعلم اللغة الإسبانية حتى لا يفتضح أمره وبالفعل تعلم كوهين اللغة الإسبانية وكان أبراهام يمده بالمال ويطلعه على كل ما يجب أن يعرفه لكي ينجح في مهمته. وبمساعدة بعض العملاء تم تعيين كوهين في شركة للنقل وظل كوهين لمدة تقترب من العام يبني وجوده في العاصمة الأرجنتينية كرجل أعمال سوري ناجح فكوّن لنفسه هوية لا يرقى إليها الشك، واكتسب وضعا متميزاً لدي الجالية العربية في الأرجنتين، باعتباره رجلاً وطنياً شديد الحماس لبلده وأصبح شخصية مرموقة في كل شيء وتشير بعض الشائعات لتعرّفه على العقيد أمين الحافظ، لكن توقيت استلام الحافظ منصب الملحق العسكري في بيونس آيرس كان قد تزامن مع سفر كوهين لسوريا مما ينفي أي علاقة مسبقة بين الرجلين خلال الحفلات التي اعتاد كوهين -أو كامل أمين ثابت- إقامتها في كل مناسبة وغير مناسبة، ليكون الدبلوماسيون السوريون على رأس الضيوف، لم يكن يخفي حنينه إلى وطنه سوريا، ورغبته في زيارة دمشق. لذلك، لم يكن غريباً أن يرحل إليها بعد أن وصلته الإشارة من المخابرات الإسرائيلية ووصل إليها بالفعل في يناير 1962 حاملا معه آلات دقيقة للتجسس، ومزودا بعدد من التوصيات الرسمية وغير الرسمية لأكبر عدد من الشخصيات المهمة في سوريا، مع الإشادة بنوع خاص إلى الروح الوطنية العالية التي يتميز بها، والتي تستحق أن يكون محل ترحيب واهتمام من المسؤولين في سوريا. وبالطبع، لم يفت كوهين أن يمر على تل أبيب قبل وصوله إلى دمشق، ولكن ذلك تطلب منه القيام بدورة واسعة بين عواصم أوروبا قبل أن ينزل في مطار دمشق.**التجسس وكيف تم القبض عليهأعلن كوهين أنه قرر تصفية كل أعماله العالقة في الأرجنتين ليظل في دمشق مدعياً حب الوطن. وبعد أقل من شهرين من استقراره في دمشق، تلقّت أجهزة الاستقبال في الموساد أولى رسائله التجسسية التي لم تنقطع على مدى ما يقرب من ثلاث سنوات، بمعدل رسالتين على الأقل كل أسبوع.وفي الشهور الأولى تمكّن كوهين أو كامل من إقامة شبكة واسعة من العلاقات المهمة مع ضباط الجيش والمسؤولين الأمنيين وقيادات حزب البعث السوري. وكان من المعتاد أن يزور أصدقاؤه في مقر عملهم، وكانوا يتحدثون معه بحرية عن تكتيكاتهم في حالة نشوب الحرب مع إسرائيل ويجيبون على أي سؤال فني يتعلق بطائرات الميج أو الغواصات التي وصلت حديثا من الاتحاد السوفيتي أو الفرق بين الدبابة ت-54 وت-55 وغيرها من أمور كانت محل اهتمامه كجاسوس. وكانت هذه المعلومات تصل أولا بأول إلى إسرائيل ومعها قوائم بأسماء وتحركات الضباط السوريين بين مختلف المواقع والوحدات. وفي أيلول/سبتمبر 1962، صحبه أحد أصدقائه في جولة داخل التحصينات الدفاعية بمرتفعات الجولان. وقد تمكّن من تصوير جميع التحصينات بواسطة آلة تصوير دقيقة مثبتة في ساعة يده أنتجتها المخابرات الإسرائيلية والأمريكية. ومع أن صور هذه المواقع سبق أن تزودت بها إسرائيل عن طريق وسائل الاستطلاع الجوي الأمريكية، إلا أن مطابقتها مع رسائل كوهين كانت لها أهمية خاصة سواء من حيث تأكيد صحتها، أو من حيث الثقة بمدى قدرات الجاسوس الإسرائيلي. وفي عام 1964، زوّد كوهين قادته في تل أبيب بتفصيلات وافية للخطط الدفاعية السورية في منطقة القنيطرة. وفي تقرير آخر، أبلغهم بوصول صفقة دبابات روسية من طراز ت-54 وأماكن توزيعها وكذلك تفاصيل الخطة السورية التي أعدت بمعرفة الخبراء الروس لاجتياح الجزء الشمالي من إسرائيل في حالة نشوب الحرب.وازداد نجاح كوهين خاصة مع اهتمامه الشديد بمسؤولي حزب البعث السوري واغراقهم بالهدايا**كيف تم كشفه والقبض عليه هناك أكثر من رواية الرواية الأولى بتاريخ 24 كانون الثاني 1965، وبعد 4 سنوات من العمل في دمشق، تم الكشف عن كوهين عندما كانت تمر أمام بيته سيارة رصد الاتصالات الخارجية التابعة للأمن السوري. وعندما ضبطت رسالة مورس صدرت من المبنى الذي يسكن فيه حوصر المبنى على الفور، وقام رجال الأمن بالتحقيق مع السكان ولم يجدوا أحداً مشبوهاً فيه، ولم يجدوا من يشكّوا فيه في المبنى إلا أنهم عادوا واعتقلوه بعد مراقبة البث الصادر من الشقة.اكتشفه محمد وداد بشير وهو مسؤول الإشارة في الجيش، حيث أن السفارات تبث وفق ترددات محددة، واكتشف وجود بث غير مماثل لهذه الترددات، فداهم سفارة أو سفارتين بعد الإذن بذلك، ثم رصدوا الإشارة مجددًا وحددوا المكان بدقة وداهموا البيت، وقبضوا على الجاسوس متلبسًا، وحاول أن يتناول السم، ولكنهم أمسكوه قبل ذلك.والرواية الثانية تشير إلى دور المخابرات المصرية في الكشف عن إيلي كوهين، حيث تم التقاط صور لبعض المسؤولين السوريين برفقة ايلي كوهين، خلال جولته على جبهة الجولان المحتل، وعندما عرضت الصور على المخابرات المصرية، في ضوء التعاون المخابراتي بين الدولتين، تعرف إليه أحد ضباط المخابرات المصرية، نظراً لتاريخه في قضية شبكة جون دارلينجوالروايةالثالثة وهي الأقرب أنه كان يسكن قرب مقر السفارة الهندية بدمشق وأن العاملين بالإتصالات الهندية رصدوا إشارات لاسلكية تشوش على إشارات السفارة وتم إبلاغ الجهات المختصة بسوريا التي تأكدت من وجود رسائل تصدر من مبنى قرب السفارة وتم رصد المصدر وبالمراقبة تم تحديد وقت الإرسال الإسبوعي للمداهمة وتم القبض عليه متلبساً وقبض على كوهين وأعدم في ساحة المرجة وسط دمشق في 18 أيار/مايو 1965.بعد اعتقال كوهين، وبناء على مصادر إسرائيلية مقربة من الموساد، وصلت للموساد من ايلي كوهين رسالة فارغة، عرفوا من خلالها أنه واقع في ورطة، ثم تبعتها رسالة أخرى ساخرة تفيد بأن جاسوسهم أصبح بين يدي السلطات السورية، وفي 18 أيار من عام 1965، تم إعدام الجاسوس ايلي كوهين، المعروف باسم كامل أمين ثابت، علنا في ساحة المرجة بدمشق. وقد كان إعدامه وصورة جثته المعلقة في ساحة المرجة، ضربة صاعقة للموساد تعيرهم بفشلهم. خصوصاً انه وفي الفترة ذاتها تم القبض على جاسوس إسرائيلي آخر، من قبل السلطات المصرية وهو وولفنج لوتس، وكان ذلك نتيجة لإفراط كلا من جهاز الموساد وجواسيسه في ثقتهم بأنفسهم**محاولات الحكومة الإسرائيلية الحصول على رفاتهوقد حاولت الحكومة الإسرائيلية أكثر من مرة، عبر وسطاء، طلب رفات كوهين من السلطات السورية، إلا أن طلباتهم قوبلت بالرفض دائما**الأعمال الفنية التي جسدت شخصية إيلي كوهينتم طرح شخصية ايلي كوهين في أكثر من عمل فني حاولت تمجيده واظهاره كبطل قومي، من أمثال هذه الأعمال فيلم The impossible spy، وآخرها كان مسلسل The spy من إنتاج شبكة نيتفليكس، رغم التحفظ على أن هذه الأعمال كانت تحتوي العديد من الأخطاء التاريخيةوفي النهاية مهما تعددت واختلفت الروايات حول طريقة كشف ايلي كوهين، إلا أن الجميع يتفق على أنه كان من أخطر جواسيس الموساد، الذين عملوا في دولة عربية، نظراً لتمكنه من الوصول إلى أعلى المستويات، والمعلومات الخطيرة التي حصل عليها بعد أن حاز ثقتهم المطلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى