الضرب ليس دائمًا على الجسد
كتبت: أمنية عادل
“لا أريد الذهاب إلى المدرسة مرة أخرى… إنهم يقولون إنني غبي!”
هكذا قال طفل في العاشرة من عمره بعد شهور من التعرض للسخرية المستمرة من زملائه داخل الفصل. لم يتعرض للضرب، ولم يُكسر له عظم، ولكن كُسرت روحه. هذه الكلمات لم تأتِ من فراغ، بل خرجت من قلب صغير يحمل ألمًا خفيًا لا تراه الأعين، لكنه يترك أثرًا لا يُمحى.
التنمر في المدارس لم يعد مجرد “مزاح ثقيل” كما يتصوره البعض، بل أصبح سلوكًا مؤذيًا قد يحطم ثقة الطفل بنفسه، ويؤثر على تحصيله الدراسي ونظرته إلى الحياة.
أرقام تتحدث وقلوب تصمت
تشير تقارير منظمة “يونيسف” إلى أن طفلًا من بين كل ثلاثة أطفال في العالم يتعرض لشكل من أشكال التنمر. وفي مصر، ورغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، فإن روايات الأهالي وشكاوى الأطفال تنذر بخطورة الظاهرة.
تقول الدكتورة إيمان عبد الغني، أخصائية الطب النفسي للأطفال:
“الطفل الذي يتعرض للتنمر بشكل مستمر يبدأ في الشعور بالنقص، وقد يصل إلى مرحلة من الاكتئاب أو الانعزال، وبعض الحالات تتطلب تدخلًا علاجيًا سريعًا حتى لا تتحول إلى أزمة نفسية طويلة الأمد.”
“انكسر شيء في داخله…”
مروة، أم لطفل في المرحلة الابتدائية، تروي قصتها قائلة:
“كان يعود من المدرسة بوجه شاحب، وعندما سألته قال لي إن زملاءه يسخرون منه لأنه يُخطئ أحيانًا في الإجابة. هو ليس غبيًا، ولكنه يتلعثم من شدة التوتر. ومنذ ذلك الحين لم يعد يرغب في الذهاب إلى المدرسة.”
تتكرر القصص، وتتغير التفاصيل، ولكن الألم واحد. طفل يُسخر منه بسبب مظهره، وآخر لأنه يعاني من التأتأة، وثالث لأنه فقط “مختلف” عن البقية.
من أين تبدأ المواجهة؟
المواجهة الحقيقية تبدأ من الأسرة، حين يقترب الوالدان من أطفالهما، يستمعان إليهم، يلاحظان أي تغيّر في سلوكهم، ويمنحانهم الأمان اللازم للبوح.
أما المدرسة، فهي مطالبة بأن تكون بيئة تعليمية آمنة تُوفر نظامًا واضحًا للإبلاغ عن التنمر، وتطبق عقوبات عادلة، وتقدّم دعمًا نفسيًا حقيقيًا للضحايا.
كما أن التوعية المبكرة ضرورية ليتعلم الطفل منذ صغره أن الاختلاف ليس عيبًا، وأن الكلمات قد تُشفي أو تُوجع، وأن الضحك على حساب الآخرين قد يترك أثرًا لا يزول.
كلمة أخيرة:
قد ينسى الطفل تفاصيل فصله الدراسي أو أسماء معلميه، لكنه لن ينسى أبدًا الكلمة التي كسرت قلبه… أو التي أنقذته.
اقرأ أيضاً:
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية





