
فريضة الوقت: بين واجب العمل وتحديات العصر
بقلم: الجيوفيزيقي محمد عربي نصار
الوقت هو الكنز الذي يُقسم به الله في كتابه العزيز، حيث قال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سورة العصر). إنه مورد غير متجدد، إن ذهب لا يعود، لذا فإن استثماره واجب ديني وأخلاقي. ويؤكد النبي ﷺ في الحديث الشريف: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” (رواه البخاري)، ليضعنا أمام مسؤولية عظيمة تجاه هذه النعمة.
في هذا المقال، سنتناول أهمية الوقت من منظور عملي وروحي، مدعمًا بالقصص الواقعية التي توضح كيف استطاع أناس تحويل وقتهم إلى منجم للنجاح والإنجاز.
الوقت: الفريضة الغائبة
أصبح الوقت في حياتنا أشبه بالعملة المهملة، رغم أنه الأساس الذي نبني عليه جميع أنشطتنا. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ… لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (الإسراء: 12)، ليدلنا على أن الليل والنهار ليسا مجرد ظاهرتين طبيعيتين، بل هما أدوات لإدارة حياتنا وحساب أوقاتنا.
لكن للأسف، مع تسارع الحياة وكثرة الملهيات، أصبح العديد منا يعاني من هدر الوقت، دون إدراك لعواقب ذلك على حياته الشخصية والمهنية.
التحديات المعاصرة: سباق مع الزمن
في ظل الثورة التكنولوجية الحالية، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية تستهلك أوقاتنا بشكل كبير. تظهر الإحصائيات أن متوسط الوقت الذي يقضيه الفرد يوميًا على هاتفه يتراوح بين 3 إلى 5 ساعات، وهو ما يمثل هدراً كبيراً إذا لم يُستثمر بشكل جيد.
التحدي الأكبر يكمن في الموازنة بين متطلبات الحياة المختلفة. كيف يمكن للفرد أن يُنجز مهامه اليومية ويحقق أهدافه دون أن يشعر بالإرهاق أو أن يُهدر الوقت في أنشطة غير مفيدة؟
قصص نجاح ملهمة: من استثمروا الوقت فحققوا المعجزات
قصة ستيف جوبز: النجاح عبر الالتزام بالوقت
ستيف جوبز، مؤسس شركة “أبل”، يُعتبر نموذجًا عالميًا للاستثمار الذكي للوقت. رغم تركه الدراسة الجامعية، إلا أنه خصص وقته لتعلم البرمجة وتصميم الأجهزة. كان لديه جدول يومي صارم يساعده في تنظيم أفكاره وإدارة مشاريعه. بفضل التزامه، استطاع جوبز بناء إمبراطورية تقنية غيّرت العالم وأصبحت “أبل” واحدة من أكثر الشركات قيمة في العالم.
قصة الإمام الشافعي: الوقت كالسيف
الإمام الشافعي، أحد أبرز علماء الإسلام، عاش حياته ملتزماً بإدارة الوقت بشكل دقيق. يُروى أنه كان يخصص وقتاً محدداً للقراءة، التعلم، الكتابة، والعبادة. ترك وراءه إرثاً علمياً عظيماً لا يزال المسلمون يستفيدون منه حتى اليوم. كان يقول: “من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره”.
كيف نحول الوقت إلى أداة للتميز؟
استراتيجيات عملية لإدارة الوقت
1. تحديد الأولويات:
استخدام أسلوب “مصفوفة الأولويات” لتصنيف المهام حسب أهميتها وعاجليتها.
2. إنشاء جدول يومي:
كتابة قائمة بالمهام اليومية وتحديد وقت محدد لكل مهمة.
3. تقنيات إنتاجية حديثة:
استخدام تطبيقات مثل “Trello” أو “Notion” لتنظيم المهام. تقنية “البومودورو” التي تقوم على تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة تتخللها فواصل راحة.
دروس من القرآن والسنة في إدارة الوقت
يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (الشرح: 7-8)، مما يدل على أهمية استغلال الوقت بين الأعمال.
كما قال النبي ﷺ: “اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك” (رواه الحاكم).
الوقت هو أساس النجاح في كل شيء. من يدرك قيمته ويستثمره بحكمة، سيحقق إنجازات عظيمة في حياته. ومن يهدره، فإنه يخسر فرصة عظيمة لا تُعوّض. فلنحرص على اغتنام أوقاتنا بما يعود بالنفع على أنفسنا ومجتمعنا، مستلهمين ذلك من قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (النبأ: 11).
المحرر الإعلامي بجريدة مصر اليوم نيوز
الجيوفيزيقي محمد عربي حسن نصار






