
أحرف مخضتها السماء
كتبت منى عبد اللطيف نائب رئيس قسم الأدب بجريدة مصر اليوم نيوز
بين زحام الحياة الخانق وخطاها السريع ولهاثنا للحاق بها، كل منشغل بذاته او ربما بمن حوله وهم كثر…
نغفل عن أشياء عدة أهمها الزمن بزخم أحداثه ثم نستيقظ وقد مر الكثير، غرباء عما حولنا من الموجودات وكأننا محض دخلاء على هذا العالم الذي لم نتوقف لحظة للتعرف عليه!
وبين غرابة وحنين نبحث عن مألوف أو ربما سيرة أو خبر يقص علينا ما فات وفُتنا…
ومن هنا يبزغ دور الأدب متمثلاً في أحرف وكلمات مخضتها سماوات عقول كتابه، صيغتها عيونهم ورؤيتهم الخاصة، كمرايا تعكس الموجودات وتستشعر بالأحداث، تنفعل معها وتبحر في بواطنها كاشفة عن أسرارها وأصولها، حلوها ومُرها بألوان عدة فيها من شخوص أصحابها وفلسفاتهم وميولهم لكنها مجتمعة تعكس صورة كاملة، متكاملة الأركان…
أحرف مخضتها السماء
ولكن يأتي السؤال، وهو أي نوع من الأدب أقدر على التحدث بلسان حال المجتمع وعكس همومه وأفكاره وشتى جوانبه؟
البعض قالوا الشعر والبعض الآخر قالوا الرواية وصارت مشكلة أدت لانقسام وجدل لا يسمن ولا يغني من جوع…
ووسط هذا المعترك وجدت نفسي أميل للطرفين بلا انحياز
نعم، فمن خلال قراءاتي التي في نظر البعض لا بأس بها وفي نظري قليلة جدًا أمام ما يحمله العالم في جعبته من أسرار وأفكار وحكايات شتى، رأيت أن الشعر والرواية علاقتهما تكاملية…
وعلى الرغم من أن الشعر أكثر ذاتية من الرواية إلا أن الشاعر مرهف الحس يتشكل وجدانه ومزاجية قلمه وفقًا لواقعه الخاص وواقع مجتمعه وهمه الفردي الذي يعتبر مرآة صادقة للنفوس، فالشاعر يكشف عن روح المجتمع ويصوغ كلماته بنغم حي كرسول يستسقي علومه من السماء؛
علوم تحمل في طياتها نبوءات الغد أو ربما تحذيرات وتكهنات لما يمكن أن يحدث تعانق أملا في الإنصلاح والتغيير،
ومن أمثلة القصائد التي عكست حالة مجتمعية سياسية وحذرت من تفشي روح الجهالة والتعصب الديني وخطر القمع والديكتاتورية قصيدة الديك لنزار قباني،
ونجد أيضا القصائد الملحمية التي تروي السير الشعبية ويتضافر فيها الخيال مع الوقائع التاريخية، والقصص مع الأبيات الشعرية مثل السيرة الهلالية،
والعديد من الألوان الشعرية التي تعكس وجدان المجتمع وهمومه وحالته عن طريق مخاطبة المشاعر بواسطة الرموز والنغمات والألوان البلاغية التي تخلق صورة وجدانية وافية عن بواطن تلك المرحلة وأحداثها…
أحرف مخضتها السماء
وهنا يأتي دور الرواية وعلاقتها التكاملية بالشعر فكما يعكس الشعر وجدان الشاعر ومشاعره وهمومه تعكس الرواية فكر الراوي، ورؤيته الخاصة للموجودات من حوله ولحال مجتمعه والذي يعبر عنه على هيئة رموز وأفكار، يحملها واقع حياتي متكامل، تنعكس من خلاله طبائع المجتمع واختلافات شخوصه المزاجية، وانتماءاتهم السياسية، وميولهم العقلية والعقائدية والجنسية، وسمات الزمن الذي تعبر عنه الرواية من حيث الألوان والأزياء وطريقة الحديث والأفكار السائدة والوقائع التاريخية المقترنة به، وحال المجتمع وانفعالات الأفراد المختلفة في مواجهة الأزمات، بالإضافة لإسقاطات فلسفية ورؤى خاصة تعكس فكر الراوي ورأيه وتقديره لما يحدث وسيحدث داخل المجتمع والزمن الذي صاغه،
والذي حتما ستجد اتساق ورباط وثيق بينه وبين ما يحدث في واقع الكاتب وزمنه، وستقرأ رسالته وإن كانت الرواية تدور في إطار خيالي بحت حيث أن مستوى القراءة الواعية لا يدرك قشور الكلمات بل ما وراء الكلمة، ومن أمثلة الروايات التي عكست واقعا سياسيا على الرغم من أنها عبارة عن قصة اجتماعية دارت في أحد الفنادق رواية ميرامار للأديب نجيب محفوظ،
وأبسط مثال عما أتحدث عنه هو رؤية كل شخصية للبحر فور وصولهم للإسكندرية، فحال البحر ورؤية كل منهم له بشكل مختلف عكس الحالة النفسية لكل شخص من شخوص الرواية بل وميله السياسي والأخلاقي الذي يبطنه،
أما عن الفلاحة البسيطة الجميلة المطمع من الجميع فلقد مثلت مصرنا في ذلك الوقت وتكالب أصحاب المصالح والانتماءات الحزبية والعرقية عليها، كل لغرض في نفسه وبطريقته وحيله الفريدة، ومحاولاتها النجاة من كل ذلك وحيرتها وصدماتها وربما كانت رسالة الكاتب هي أن طوق النجاة الوحيد هو العلم فبالتعلم ترتقي الأمم وتتحرر من براثن الاستنزاف…
أحرف مخضتها السماء
وهنا نعثر على التضافر بين الرواية والشعر فكل منهما عكس حالة معينة في زمن معين الشعر أكثر ذاتية يحمل وجهة نظر تأملية شاعرية والرواية أكثر عقلانية تحمل عدة وجهات نظر ونماذج اجتماعية عقلية مختلفة،
الشعر منغم يخاطب النفس والمشاعر، الرواية واقع حي يسحبك لعالمه وتفاصيله تعايشه ويعايشك وكلما ألفته كلما فهمت أكثر…
وأخيرًا
إذا أردت قراءة صادقة للماضي فابتعد عن كتب التاريخ واقرأ روايات وأشعار أدباء تلك الفترة عندهم فقط ستجد الحقيقة…






