
بورصة المشاعر المزيّفة : هل أصبحنا نشتري “الاهتمام” بالتقسيط؟
بقلم : سهير محمود عيد
نحن نعيش في العصر الأكثر “اتصالاً” من الناحية الرقمية ، والأكثر “عزلة” من الناحية النفسية . إنها الحقيقة العارية التي نتهرب منها جميعاً ؛ لقد تحولت علاقاتنا الإنسانية إلى ما يشبه “البورصة”، نخضع فيها لقوانين العرض والطلب ، وندفع فيها من رصيدنا النفسي والصحي الكثير، لكي نشتري في النهاية فُتاتاً من الاهتمام المشروط ، أو مجاملة عابرة خلف الشاشات .
في الماضي ، كانت العلاقات تُبنى على “الأصل” والمواقف ؛ فكرة الاحتواء والدعم في أوقات الهشاشة والكسر . أما اليوم ، فصار الكثيرون يتعاملون مع القلوب بمنطق الصفقات : “ماذا سأستفيد منك اليوم لكي أمنحك وقتاً غداً ؟”.
هذه الجرأة في الاستغناء ، وهذا الجفاف العاطفي الذي نراه في تعاملات البشر ، يعكس أزمة نفسية عميقة تتسلل إلى بيوتنا ومجتمعاتنا دون أن نشعر .
من زاوية أخصائية : صرخة من خلف الأبواب المغلقة بحكم تخصصي في عمق النفس البشرية ، لم أعد أرى جدراناً باردة في المنازل فحسب ، بل أرى قلوباً أنهكها العطاء بلا مقابل ، وأرواحاً استُنزفت طاقتها بالكامل لأنها كانت تمنح الحب لأشخاص “بوجوه مستعارة”.
أشخاص يتقنون الغياب وقت الحاجة ، ويبرعون في الظهور فقط عندما يحتاجون شيئاً . هذا التناقض الصادم بين ما نُظهره للعالم وما نعيشه في كواليس حياتنا ، هو ما دفعني لنقل هذه الآلام من عيادتي إلى هنا. لم يكن الهدف يوماً مجرد سرد حكايات ، بل البحث عن طوق نجاة ؛ ومن هنا ولدت رسالة “بودكاست طبطبة”.في حلقات “طبطبة”، اخترت أن أتحدث معكم بلا حواجز أو كلف ؛ أردت أن يكون هذا الصوت هو المساحة الآمنة التي تعيد ترتيب الفوضى بداخلكم .
نتحدث هناك عن متلازمة “القلوب المكسورة” التي يتجاهلها الكثيرون ، وعن أهمية وضع “الحدود النفسية” الصارمة لحماية أنفسنا من مستنزفي الطاقة وقليلي الأصل ، لأن كرامة النفس فوق كل اعتبار ، ومن لا يرى فيك سنداً واكتفاءً ، فالابتعاد عنه هو قمة التعافي والذكاء .
كسر القالب التقليدي الجرأة الحقيقية اليوم ليست في الصراخ، بل في امتلاك الشجاعة لمواجهة أنفسنا بالحقائق التي نخشاها. علينا أن نتوقف عن لعب دور الضحية، وأن نتعلم كيف نقول “لا” في وجه أي علاقة تسلبنا سلامنا الداخلي .
العلاقات الإنسانية وُجدت لتكون مأوى ، لا معركة؛ لتكون سنداً، لا عبئاً. وإلى أن ندرك هذه الحقيقة.
سنظل نفتش في حلقات “بودكاست طبطبة” عن جينات “الأصل” المتبقية في هذا العالم، ونعلم قلوبنا كيف تشفى وتعود أقوى.. لأن النفس إذا هانت على صاحبها، فلن يرحمها أحد.





