اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

كلام الناس: السرطان الذي يلتهمنا

كلام الناس: السرطان الذي يلتهمنا
بقلم / سهير محمود عيد
في عمق مجتمعاتنا العربية ، يقبع دكتاتور غير مرئي يدير تفاصيل حياتنا اليومية ، يحدد ما نرتديه ، ماذا نقرأ ، كيف نتزوج ، وحتى كيف نحزن ونفرح. هذا الدكتاتور لا يسكن القصور ، بل يسكن الألسنة، ويُدعى “كلام الناس”.
إن الخوف المزمن من نظرة المجتمع وتقييمه تحول إلى شبح حقيقي يطارد الفرد العربي منذ طفولته وحتى وفاته، فارضاً عليه تزييف مشاعره ودفن طموحاته ليرضي محيطاً اجتماعيًا لا يرضى أبدًا.الجرأة الحقيقية اليوم هي أن نخلع القناع عن هذه العادة المتوارثة ونعترف بآثارها المدمرة على الصحة النفسية. نحن لا نعيش حياتنا، بل نعيش حيوات الآخرين فينا.

كم من تخصص جامعي دُمرت فيه مواهب مبدعة لمجرد إرضاء طموحات الوجاهة الاجتماعية للعائلة؟ وكم من زيجة فاشلة استمرت تحت سقف واحد مليء بالمرارة والنكد فقط خوفاً من لقب “مطلق” أو “مطلقة”؟ إننا نرتكب جرائم يومية بحق ذواتنا، وندفع من سلامنا الداخلي وصحتنا الجسدية ثمناً باهظاً لشراء رضا عابر من أشخاص قد لا يتذكرون أسماءنا في الغد .

هذا الضغط الاجتماعي المتواصل يولد ما يسمى علمياً بـ “الاغتراب النفسي”. يشعر الفرد أنه غريب عن نفسه ، يرتدي قناعاً من المثالية والابتسامات الزائفة أمام الأقارب والجيران، بينما ينفجر بالبكاء والتوتر خلف الأبواب المغلقة. لقد تحولت صلاتنا الاجتماعية من مساحات دافئة للدعم والمؤازرة، إلى منصات لجلد الذات، والمقارنات المقيتة، والمزايدات التي لا تنتهي حول من هو الأفضل والأكثر التزاماً بالقوالب الجاهزة .

القوة النفسية لا تعني إعلان الحرب على المجتمع أو التمرد العشوائي على القيم، بل تعني بكل بساطة: امتلاك الشجاعة لقول “لا” عندما يتداخل كلام الناس مع حريتك وصحتك النفسية. تعني أن تضع حدوداً صارمة وصحية تحمي بها خصوصيتك وعائلتك الصغيرة من التدخلات الفضولية. يجب أن ندرك أن القيمة الذاتية للإنسان تُستمد من تصالحه مع نفسه وصدقه مع مبادئه، لا من شهادة حسن سير وسلوك تمنحها له تجمعات المجاملة النفاقية.إن علاج هذا المرض الاجتماعي يبدأ من التربية؛ عندما نعلم أطفالنا أن مخافة الله وضمائرهم هي البوصلة الوحيدة، وأن رضا الناس غاية مستحيلة لا تستحق إهدار العمر خلفها. حان الوقت لنتنفس بحرية ، ولنعلن بجرأة أن حياتنا ملك لنا، وأن السلام النفسي أثمن بكثير من رضاء عابر لجمهور لن يحمل عنا يوماً ثقل أحزاننا.•

صاغت لكم هذه الصرخة النفسية :

سهير محمود عيد
ولمتابعة الحلول العملية للتحرر من القيود الاجتماعية ، تابعوا بودكاست طبطبة عبر منصاتنا الرقمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى