
الدكروري يكتب عن ووجدك ضالا فهدى
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كان جميع الأنبياء قبل نيلهم مقام النبوة يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون، وأن المقصد من خلقهم أن يصبحوا عبادا للرحمن سبحانه وتعالى، وأن الإنسان يحاسب على أعماله من بعد موته، وهناك من زعم غير هذا، مستدلا على زعمه بقول الله تعالى ” ووجدك ضالا فهدى” وبقول الله عز وجل فى القرآن الكريم فى سورة الشورى “ما كنت تدري ما الكتاب وما الإيمان” وزعمه هذا يضرب القرآن بعضه ببعض، وما دام الله تعالى، قد قال عن رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “ما ضل صاحبكم وما غوى” فلا يجوز لنا والحال هذه أن نفس قوله ضالا، بمعنى غير مهتدي، بل يقصد من قوله ضالا، هنا مندفعا بكليتك للاتصال بربك ومعرفته.
إذ يقال هذا ضال في محبة فلانة أي مندفع بكليته للقائها والتعرف إليها، ثم إن قول الله عز وجل فى القرآن الكريم “ما كنت تدري ما الكتاب وما الإيمان” لا ينفي ما ذكرناه لأن القرآن الكريم ورسالته لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد تلقاها قبل فوزه بمقام النبوة الرفيع، وهكذا يتبين لنا إن النبوة أيضا تحمل نفس عناصر كلمة نبي ومعانيها، وقد رأينا توافق اللغة والقرآن الكريم في موضوع معاني كلمة نبي، فننظر إليها بميزان العقل والمنطق، فنراها لا تتهافت بل تعظم في أعيننا، ونرى ضرورة اجتماعها في شخص من توسد إليه مهمة رسالة سماوية هامة تضطلع بدور كبير جدا في تغيير مسار تاريخ الشعوب، وبمنظار العقل والمنطق يرى المرء أنه لابد من اجتماع هذه الأمور الأربعة.
التي قررتها اللغة العربية لكلمة نبي في شخص من استحق مقام النبوة السامي، فلا يعقل أن تكون سيرته فاسدة ومن ثم يستحق نيل قرب الله القدوس، ولا يعقل أن يكون في سيرته غير متقيد بفلسفة محددة روحية ومنهجية واضحة، توصله إلى لقاء الله وقربه، ولا يعقل أن يجوز مقام القرب الإلهي ولا يكلمه ربه ولا يطلعه على مغيبات الأمور، كما لا يعقل أن يكلمه ربه ويفوز بمقام قربه ولا يمنحه لقب نبي في خطابه إياه، وهذه الأمور الأربعة التي يقتضيها العقل تتفق والمنطق السليم أيضا، فمن المنطق أن يثبت الله عز وجل وجوده، بفضل أمثال هؤلاء الأنبياء، كما يثبت عظمة ما يحمله من أسماء حسنى، فالمندوب والسفير والرسول يأتي على مستوى من انتدبه وجعله سفيرا ورسولا.
ومن بين هؤلاء الشخصيات التاريخية المختلف عليها فى التاريخ الدينى هو شخصة النبى أرميا أو كما ينطلق أحيانا إرميا، فسمة اختلافات كبيرة حول هذا الشخص، هل هو نبى من عند الله، أم رجل صالح دعا الناس إلى الله بدون رسالة أو وحى من السماء، أم أنه أحد الأنبياء الذين ذكروا فى القرآن الكريم سواء بأسمائهم أو صفاتهم، وإن الثابت فى الكتاب المقدس أن إرمياء أو النبى الباكى كما يطلق عليه هو أحد أنبياء بنى إسرائيل، لكنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ذكر اسم أرميا، ولا إثبات أنه من الأنبياء، إنما هو أحد أنبياء ذكروا فى التوراة ولم يرد ذكرهم فى القرآن وهم أشعيا، ارميا، حزقيال، دانيال، صموئيل، كما تم ذكره لدى المؤرخين وكتب التراث القديمة.





