
من الشبهة إلى الاتهام: حماية قرينة البراءة بين الواقع والقانون
بقلم: عمرو الريدي – المحامي
في مجتمعاتنا، تتردد كلمة «متهم» بسهولة وعلى ألسنة الجميع دون إدراك دقيق لمعناها القانوني أو أبعادها الحقيقية. هذا الاستخدام العشوائي يحمل آثارًا خطيرة، لأنه يُخالف صلب مبدأ قرينة البراءة، الذي يُعد ضمانة جوهرية لحماية الحقوق والحريات الفردية. إن إساءة استخدام المصطلحات القانونية يُشوه العدالة، ويمس سمعة الأشخاص وحياتهم قبل حتى أن يواجهوا محكمة قضائية.
معنى الاتهام وحدوده القانونية:
القانون الجنائي يميز بين المراحل التي يُنظر فيها إلى الشخص خلال التحقيقات. في مرحلة الاستدلال، حيث تجمع الأجهزة الأمنية معلومات أولية حول شخص محل شك، لا يجوز إطلاق صفة “متهم” عليه؛ فهذه المرحلة لا تعني أكثر من كونه «مشتبهًا به». أما وصف “المتهم”، فهو نتيجة نهائية لمجموعة من الإجراءات القضائية تنتهي بتوجيه الاتهام بناءً على أدلة كافية تُقدّم إلى المحكمة.
وبالتالي، الصفة القانونية للشخص يجب أن تتغير حسب المرحلة:
1. الاستدلالات: يظل الشخص مجرد مشتبه به حتى تُحيل السلطات الملف إلى التحقيق.
2. التحقيق القضائي: يُصبح الشخص “محل فحص أو تحقيق”، ولا يُعتبر متهمًا إلا إذا وُجهت إليه التهمة رسميًا.
3. الإحالة للمحاكمة: بعد اكتمال الأدلة وقرار النيابة أو المحكمة المختصة، يبدأ توجيه الاتهام ومساءلة الشخص أمام القضاء.
قرينة البراءة وأثر الاستخدام العشوائي للمصطلحات:
تُعتبر “قرينة البراءة” مبدأً دستوريًا راسخًا، ينص على أن الأصل في الإنسان البراءة، ولا يمكن اعتباره مذنبًا إلا بحكم قضائي نهائي. هذا المبدأ يتأسس على القاعدة الفقهية والدستورية القائلة إن الإباحة هي الأصل والتجريم هو الاستثناء. وبالتالي، فإن إطلاق وصف “متهم” على شخص قبل توجيه اتهام قانوني له يُعد اعتداءً على حقوقه الأساسية، ويمس كرامته، ويُشكل تشهيرًا اجتماعيًا ونفسيًا قد لا يُعوض.
إن ثقافتنا القانونية المحدودة تجعل الأشخاص يُطلقون أحكامًا مسبقة لمجرد معرفة أن شخصًا ما دخل قسم شرطة أو خضع لتحقيقات، دون النظر إلى أنه قد يكون مجرد شاهد أو مشتبه به لم تثبت إدانته. هذه العشوائية تُعزز من التشويه المجتمعي وتؤثر على سمعته وحياته الأسرية والمهنية.
التجربة الفرنسية في حماية قرينة البراءة:
في فرنسا، أُدركت خطورة المصطلحات القانونية وأثرها على قرينة البراءة؛ لذلك أُصدر قانون رقم 516 لسنة 2000، والذي عُرف بقانون “تعزيز حماية قرينة البراءة”. وقد جاء هذا القانون بعدة إصلاحات جوهرية:
• تغيير المصطلحات: تم استبدال مصطلح «الاتهام» بمصطلح «الإحالة للفحص أو التحقيق»؛ لضمان عدم توجيه أي وصف قد يُسيء إلى الشخص قبل المحاكمة.
• الرقابة القضائية: أصبحت هناك رقابة فعّالة على مرحلة الاستدلال من خلال قاضي الحريات والحبس لضمان احترام الحقوق.
• التوقيت الزمني: تحديد مدة زمنية للاستدلالات لمنع إطالة الإجراءات بشكل يُؤثر على الأشخاص المعنيين.
هذه التعديلات تعكس إدراكًا عميقًا لأهمية حماية كرامة الأفراد وحرياتهم أثناء مراحل التحقيقات المختلفة، وهو ما يُعزز من نزاهة العدالة الجنائية.
المسؤولية المشتركة بين القانون والمجتمع:
إن حماية الحقوق والحريات ليست مسؤولية الأجهزة القضائية وحدها، بل هي التزام مجتمعي يتطلب وعيًا بأهمية عدم إطلاق أوصاف قانونية مثل «متهم» دون أساس.
• التوعية القانونية: رفع مستوى الثقافة القانونية لدى المواطنين لتجنب الأحكام العشوائية.
• التزام السلطات بالدقة: الأجهزة القضائية والأمنية مطالبة باستخدام المصطلحات بدقة بما يتفق مع المرحلة الإجرائية.
• إصلاح تشريعي: ضرورة أن يُعيد المشرع المصري النظر في قانون الإجراءات الجنائية لتحديث المصطلحات وضمان سرعة وكفاءة العدالة.
خاتمة:
إن احترام قرينة البراءة مقياس لمدى تقدم المجتمع وحرصه على كرامة أفراده. فلا يجوز أن يُدان شخص في نظر المجتمع قبل أن تُثبت إدانته أمام القضاء. على أجهزة العدالة أن تلتزم بأعلى معايير النزاهة والحياد، وعلى المجتمع أن يتحلى بقدر من المسؤولية والوعي، بحيث لا تتحول الشبهة إلى حكم بالإدانة قبل الأوان. إن صون قرينة البراءة ليس مجرد التزام قانوني، بل هو تعبير عن قيمنا الأخلاقية والإنسانية، وعن دولة تُقدّر الحرية والعدالة على حد سواء.






