
مع تحول إجراء الترقية إلى تكدس
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لا أحد يعترض على الإجراءات التى تستهدف التأكد من سلامة بيئة العمل. ولا أحد يعترض على ما تضعه الجهات الإدارية من ضوابط مرتبطة بالترقيات وشغل الوظائف والمسؤوليات. فوجود قواعد واضحة ومنظمة أمر ضرورى داخل أى مؤسسة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الإجراء الإدارى. مهما كان هدفه مشروعاً. إلى سبب فى تعطيل العمل وإرباك الموظفين والمواطنين معاً.
ومن بين هذه الإجراءات ما يجرى فى بعض الجهات الحكومية من تنظيم تحاليل الكشف عن المخدرات للموظفين والعاملين والمهندسين والسائقين المستحقين للترقية. فبدلاً من إتاحة أكثر من منفذ معتمد لإجراء التحليل. يتم أحياناً تجميع المستحقين داخل مقر الجهة نفسها. ويتم تحديد أيام ومجموعات لكل عدد من الموظفين. وقد يبدو هذا التنظيم على الورق وسيلة لتجنب التكدس. لكن الواقع قد يكشف مشكلة أخرى. فإذا لم تستطع المجموعة المحددة فى يومها إنهاء العدد المطلوب. إنتقل جزء من المتأخرين إلى اليوم التالى. لتجد المجموعة الجديدة نفسها أمام أعداد إضافية لم تكن محسوبة ضمن جدولها. وهكذا يتحول التنظيم الذى كان يفترض أن يمنع الزحام إلى دائرة متكررة من التكدس والإنتظار.
والأخطر من مشهد التكدس نفسه هو ما قد يترتب عليه من آثار على العمل العام. فحين يجتمع عدد كبير من الموظفين والعاملين فى مكان واحد لإجراء تحليل يمكن. وفقاً للقواعد المنظمة. إتمامه من خلال منشآت صحية حكومية معتمدة. فإن ساعات عمل تُستهلك فى الإنتظار والإنتقال وإنهاء الإجراءات. وإذا كان العدد بالمئات. أو تجاوز الألف فى بعض الجهات كبيرة العمالة. فإن الأمر لا يعود مسألة شخصية تخص الموظف وحده. بل قد يكون له إنعكاس على إنتظام تقديم الخدمات. وقد تتأثر مصالح المواطنين الذين يأتون إلى هذه الجهات لإنجاز أعمالهم.
وهنا يبرز سؤال منطقى يستحق الدراسة. لماذا لا يُتاح للموظف المستحق للترقية إجراء التحليل فى مستشفى حكومى أو جهة صحية حكومية معتمدة تحددها الجهة الإدارية. ثم يقدم النتيجة الرسمية الموثقة إلى جهة عمله؟ فإذا كانت النتيجة الصادرة من المنشأة الحكومية المعتمدة مستوفية للإشتراطات القانونية والفنية المطلوبة. فما الذى يمنع من توزيع أعداد المترددين على أكثر من منشأة. بدلاً من تجميعهم فى نقطة واحدة؟ بهذه الطريقة يمكن أن يحصل الموظف على الخدمة المطلوبة. وتظل الجهة الإدارية محتفظة بحقها فى التحقق من صحة المستند وإستيفائه للشروط. وفى الوقت نفسه لا تتعطل مصالح المواطنين بسبب تجمع أعداد كبيرة من العاملين فى مقر واحد.
القضية هنا ليست إعتراضاً على التحليل. وليست إعتراضاً على قيمة الرسوم. وليست إعتراضاً على حق الجهة الإدارية فى تطبيق القواعد المنظمة. القضية تتعلق بفلسفة الإدارة نفسها. فالإدارة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على إصدار القرار. وإنما تقاس أيضاً بقدرتها على تنفيذ القرار بأقل قدر ممكن من التعطيل والإزدحام وإهدار وقت العاملين والمواطنين. وقد يكون القرار سليماً فى هدفه. لكن طريقة تنفيذه قد تحتاج إلى مراجعة. حتى لا يتحول الإجراء التنظيمى إلى عبء إضافى على المؤسسة.
ومن حق الموظف أن يسأل أيضاً عن أبسط قواعد التنظيم. إذا كان عدد المستحقين للترقية كبيراً إلى هذا الحد. فلماذا لا يتم توزيع الخدمة مكانياً بدلاً من توزيعها زمنياً فقط؟ ولماذا لا تستفيد الجهات الحكومية من إمكانات المستشفيات والمنشآت الصحية الحكومية المختلفة. إذا كانت اللوائح تسمح بذلك؟ ولماذا لا يتم إعتماد منظومة إلكترونية أو مواعيد دقيقة تمنع الموظف من الحضور والإنتظار لساعات طويلة؟ فالتكنولوجيا والتنظيم الجيد يمكن أن يحولا إجراءً مرهقاً إلى عملية بسيطة. ولا تستنزف هذه العملية وقت الموظف. ولا تستنزف وقت المؤسسة.
إن الموظف الذى يترك مكتبه أو موقع عمله لساعات طويلة من أجل إجراء كان يمكن تنظيمه بطريقة أكثر مرونة. ليس هو وحده الذى يدفع الثمن. فالمواطن الذى ينتظر أمام شباك الخدمة قد يدفع جزءاً من هذا الثمن أيضاً. والجهة الحكومية نفسها قد تخسر جزءاً من ساعات العمل. وهى ساعات كان يمكن أن تتحول إلى إنتاج وخدمة وإنجاز.
لذلك فإن المطلوب ليس إلغاء الإجراءات. وإنما إعادة النظر فى آليات تنفيذها. فحين يكون الهدف هو حماية بيئة العمل والتأكد من إستيفاء شروط الترقية. يجب أن تسير الإجراءات فى الإتجاه نفسه الذى تسير فيه مصلحة العمل. ويمكن للجهات المختصة. وفقاً للقواعد القانونية المنظمة. دراسة إتاحة التحليل فى مستشفيات حكومية أو منشآت معتمدة متعددة. مع وضع ضوابط دقيقة للتوثيق والتحقق من النتائج ومنع أى تلاعب. وبذلك يتحقق الهدف دون أن يتحول مقر العمل إلى نقطة تجمع ضخمة. ودون أن يدفع المواطن ثمن أى قصور فى التنظيم.
الترقية يفترض أن تكون خطوة إلى الأمام فى المسار الوظيفى. ولا ينبغى أن تتحول الإجراءات المصاحبة لها إلى إختبار فى الصبر والإنتظار. فالموظف يحتاج إلى إحترام وقته. والمواطن يحتاج إلى إنجاز مصلحته. والمؤسسة تحتاج إلى إستمرار العمل. وبين هذه الأطراف الثلاثة توجد مساحة واسعة يمكن للإدارة الرشيدة أن تصنع فيها تنظيماً أفضل. تنظيماً أكثر هدوءاً. وأكثر إحتراماً للوقت. وأكثر قدرة على تحقيق الغرض من الإجراء. دون أن تعطل الحياة اليومية للناس.





